ماذا تريد «أوروبا» من الإسلام والمسلمين؟ سؤال يلح في الطرح بشدة منذ فترة ويحتاج إلى اجابات واضحة ومحددة وموضوعية لأنها سترتب نتائج كثيرة ومتباينة، اما عن سبب إلحاح السؤال في الطرح هو الحملات المتلاحقة الشرسة التي تشنها «اوروبا» والموجهة إلى الاسلام ورموزه وثوابته.
فلم تكد تنتهي أزمة الرسوم المسيئة للرسول صلى الله عليه وسلم التي خرجت من «الدنمارك» والتي اشعل جذوتها رسام الكاريكاتير «كورت ويستر جورد» هذه الرسوم التي طالت خير البرية وسيد ولد آدم قاطبة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وما نتج عنها من ردود افعال غاضبة تفاوتت في حدتها، ومازالت مستمرة حتى يومنا هذا، لم تكد جذوة الغضب التي استعرت بين جموع المسلمين في مختلف اصقاع الأرض ضد الرسوم المسيئة للرسول صلى الله عليه وسلم لم تكد تخبو، حتى خرج إلينا عضو البرلمان الهولندي (اليميني المتطرف) غيرت فليدرز، «بفتنة» وهي عبارة عن فيلم تسجيلي مدته 15 دقيقة يسيء للقرآن الكريم ويصفه بالفاشية، يبدأ الفيلم بعرض الرسوم المسيئة للرسول صلى الله عليه وسلم وينتهي بدعوة حثيثة للتصدي إلى خطر المد الإسلامي.
في تحد صارخ لمشاعر المسلمين حول العالم وعدم احترام لقدسية القرآن الكريم، مبررا هذا السلوك الفج والشاذ في الوقت نفسه بأنه من قبيل حرية التعبير، وهذا ما قالته محكمة هولندية في رفضها للدعوى التي رفعتها جماعة تمثل مسلمي هولندا للحصول على حكم قضائي يحظر عرض الفيلم وزعم القاضي بمحكمة الجزاء في لاهاي في الحكم، ان حق فليدرز في التعبير يسمح له بانتقاد الإسلام وكذلك نصوص القرآن.
واعتبرت الحكومة الهولندية ان لكل الناس الحق في التعبير عن آرائهم دون موافقة مسبقة من اي جهة، إلا ان الشخص الذي يمارس هذه الحرية تقع عليه تبعات ومسؤوليات ممارساتها، الا انه «استنادا إلى القانون الهولندي فإن الحكومة لا تستطيع منع فيلم «فتنة» قبل عرضه، اما بعد العرض فيمكن التحقيق مع الشخص المسؤول عن ذلك، وعندها يقوم مكتب المدعي العام باصدار الحكم المناسب في ذلك.
لهذا الحد يرى الغرب ان حرية التعبير خط احمر لا يمكن الاقتراب منه في حين ان من حقهم وطبقا لهذا المبدأ الاعوج ان ينتقدوا الاسلام ونصوص القرآن دون مراعاة لمشاعر وحرية المسلمين لماذا يمارس هذا الصنف من الغربيين كل هذا الحقد العميق والخبث ضد الإسلام والمسلمين؟
لماذا هذا الاستفزاز المتلاحق والعداء غير المبرر للاسلام؟
هذه التساؤلات تعيدنا إلى السؤال الاول: ماذا تريد اوروبا من الإسلام والمسلمين؟
قد يقول البعض انه تعميم ليس في محله وهؤلاء نحيلهم إلى ما يلي: كانت اعلى هيئة حقوقية تابعة للأمم المتحدة قد اصدرت قرارا مقدما من الدول الإسلامية عبرت فيه عن قلقها الشديد حول الاساءة للأديان وحثت حكومات الدول المختلفة على منعها.
وتبنى مجلس الامم المتحدة لحقوق الانسان المكون من دول غالبيتها إسلامية وعربية القرار بموافقة 21 دولة مقابل 10 رغم اعتراض اوروبا وكندا وفقا للاسوشيتد برس.
وصوتت دول الاتحاد الاوروبي من ضمنها فرنسا وألمانيا وبريطانيا، ضد القرار وقالت ان النص كان أحاديا لأنه ركز بشكل اساسي على الإسلام.
ألم أقل لكم انها «اوروبا» بأكملها وليس بعض الاوروبيين كما يقولون!
اذن ماذا تريد اوروبا من الإسلام والمسلمين؟
الجواب على السؤال اصبح واضحا وضوح الشمس في رابعة السماء وهو ما قام به النائب البرلماني المتطرف صاحب الفتنة في نهاية الفيلم بتوجيه دعوة للتصدي إلى حظر المد الإسلامي!
اذن «اوروبا» تريد افراغ دولها من المسلمين ومن الاسلام هذا المارد الذي اصبح - من وجهة نظرهم - يشكل خطرا كبيرا عليهم، لقد رأى الغربيون ان السلاح الفتاك الذي يمكن ان يصيب المسلمين هو ايذاء مشاعرهم عن الطريق الطعن في عقيدتهم والتطاول على نبيهم واهانة قرآنهم، لأنهم يعلمون جيدا ان المسلمين يرتبطون بدينهم وثوابتهم بعاطفة جارفة فهم يلعبون على وتر الاندفاع العاطفي عند المسلمين، هذا الاندفاع قد يوقعهم في اخطاء يتخذ الآخرون ذريعة للنيل منهم وتأليب العالم ضدهم.
وهذا ما أحدث بالفعل ردود فعل واسعة النطاق في مختلف دول العالم الإسلامي تفاوتت وتباينت.
وسبق ان نقلت تقارير صحايفة ردود فعل غاضبة من الازهر، حيث حذر الدكتور محمد سيد طنطاوي من عرض الفيلم الهولندي المسيء للقرآن مشيرا إلى الفيلم الذي اعده النائب الهولندي.
وقال طنطاوي لصحيفة الخليج الاماراتية: «التطاول على القرآن الكريم والاساءة لرسول الاسلام من ضروب العبث الذي ينبغي على كل العقلاء مواجهته بحزم والضرب بيد من حديد على ايدي من يقومون به». واضافت نقلا عنه: «لو تطاول مسلم على الكتب السماوية المقدسة لغير المسلمين او اهان نبيا او رسولا من انبياء الله ورسله لطالبنا نحن المسلمين بمعاقبته عقابا رادعا، وقطع رقبته».
الغضب يجتاح هولندا
إلى ذلك، عقد قادة وأئمة الجاليات الإسلامية بهولندا اجتماعا موسعا مع وزيرة الهجرة والاندماج في هولندا إيللا فوخلار، ووزير العدل هيرشى بالين لبحث وقف تداعيات عرض فيلم «الفتنة».
وأعلن رئيس المجلس المغربي الهولندي محمد رباع عن إقامته دعوى ضد فيلدرز، فيما ركزت خطب الجمعة بجميع المساجد الهولندية على مطالبة المسلمين بالهدوء والتزام طرق الحوار للتعبير عن رفضهم للفيلم.
وفي لاهاي تظاهر المسلمون احتجاجا على نشر الفيلم فيما أجمع أئمة المساجد على فتحهم أبواب المساجد للتحاور مع الهولنديين واستقبالهم وتوضيح المغالطات والأخطاء التي وردت في الفيلم. كما استقبلت المؤسسات الإسلامية الفيلم أيضا بالهدوء والحكمة رغم تكثيف الاتصالات فيما بينها لتحديد الرد الملائم على هذا الفيلم وتهدئة الغضبة الشعبية الإسلامية.
ورصدت حملة رسول الله يوحدنا موقف مجلس الكنائس الهولندي الذي اعتبر الفيلم انه «أحادي الجانب واستفزازي» فيما قالت منظمة مكافحة العنصرية «هولندا تعترف بالألوان» إن فيلدرز يروج للفوبيا من الإسلام وهذا أمر غير حقيقي. أما أستاذ الإسلام بجامعة لايدن موريس برجر فقال إن الصور التي تضمنها الفيلم مبالغ فيها. أما رئيس الحزب الديموقراطي المسيحي بيتر الهولندي فقال ان الفيلم هجوم غير مبرر على الإسلام، ولا يقدم أي مساهمة بناءة للمجتمع الهولندي، معربا عن رضاه عن ردود الأفعال المتوازنة التي أبرزتها المنظمات الإسلامية.
أما عضو البرلمان الهولندي عن حزب العمل جورين دايسلبلومين فأكد ان الهولنديين يتسمون بالرصانة ولن ينجرفوا وراء فيلدرز، وهو ما أكده زعيم الحزب الديموقراطي الحر مارك روته.
ورأت رئيس اللجنة البرلمانية لليسار الأخضر فيمكا هالسيما ان فيلدرز عرض نفسه للضحك منه والسخرية لتفاهة ما قدمه. وقال عمدة العاصمة أمستردام اليهودي يوب كوهين إن فيلم فيلدرز لم يكن له أي داع.
ومن اندونيسيا، دان زعماء الجاليات الإسلامية والسياسيون في اندونيسيا الفيلم، ووصفوه بأنه مضلل وسيضر بالحوار بين الأديان.
كما نددت إيران بالفيلم على لسان المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية محمد علي حسيني الذي قال «هذا العمل المشين من جانب نائب هولندي ومؤسسة بريطانية دلالة على استمرار روح الشر والثأر الدفين الذي يكنه مواطنون غربيون للإسلام والمسلمين».
أما مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في نيويورك فقد دان التشهير بالأديان، واصدر قرارا في هذا الشأن اقتصر على ذكر الإسلام خاصة بعد عرض فيلم فيلدرز.
كما دان ثلاثة مقررين بالأمم المتحدة دودو ديين، وأسماء جاهنجير، أمببي ليجابو «الطبيعة الاستفزازية» للفيلم الذي يربط بين أعمال العنف التي يرتكبها بعض المتشددين الإسلاميين وبين القرآن.
حتى في الدنمارك...!
والى العاصمة الدنماركية كوبنهاغن فقد انتقدت معظم الأحزاب السياسة وقادتها هناك فيلم «الفتنة» وأكد رئيس الوزراء أندرياس راسموسن أن الفيلم لا يروي الحقيقة ولا يخدم المصالح الأوروبية بل يحاول هدم الجسور بين الغرب والإسلام. كما وصفت بعض الأحزاب الفيلم بأنه عبارة عن دعاية تشبه الدعايات النازية ضد اليهود.
أما الباكستان، فقد استدعت حكومتها سفير هولندا المعتمد لديها وقدمت احتجاجا شديد اللهجة له بسبب بث الفيلم المسيء للإسلام. ومن جهتها، وصفت الأمانة العامة لرابطة العالم الإسلامي الفيلم المسيء للقرآن الكريم بأنه عمل مستهجن يهدف إلى إثارة الكراهية والبغضاء بين الشعوب كما يهدف إلى نشر الفتنة بين الناس.
وأوضح الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي في بيان له ان الرابطة تهيب بالمسلمين وحكوماتهم ومنظماتهم ووسائل الإعلام في بلدانهم بالسعي لتحقيق أعلى درجات التعاون فيما بينهم للتعريف بالإسلام والاعتزاز بكتابه. كما طالب الحكومات والمنظمات الإسلامية الرسمية منها والشعبية ببذل الجهود المشتركة في الدفاع عن القرآن وتعرية محاولات الأعداء وفضحها لتعرف الشعوب الأخرى صلابة المسلمين في الدفاع عن كتاب ربهم.
ومن جدة، دانت منظمة المؤتمر الإسلامي عرض الفيلم، واعتبر الأمين العام للمنظمة أكمل الدين إحسان أوغلو في بيان له أن هذا الفيلم عمل متعمد يهدف إلى التمييز ضد المسلمين وتشويه الدين الإسلامي ويقصد منه التحريض على إثارة القلاقل وتهديد الأمن والاستقرار في العالم.
وأوضح أوغلو أن هذا العمل يبرر ضرورة إصدار الأمم المتحدة قرارا ملزما بتحريم مثل هذه التحرشات وضرورة وضع قوانين تشريعية في كل دولة ضد الأعمال الشبيهة كالتي قام بها النائب الهولندي وغيره من الجماعات المتطرفة التي تدعو إلى العنف والكراهية بواسطة الإساءة إلى الأديان وإساءة استعمال حرية التعبير.
والى القاهرة، فقد دان وزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيط نشر فيلم الفتنة فيما كان رد فعل الجالية الإسلامية في بلجيكا مختلفا عن غيرها في المدن الإسلامية. فقد بادرت الرابطة العربية الأوروبية في بلجيكا وفرعها في هولندا إلى عرض فيلم حول الإنجيل على شبكة الإنترنت للأفلام «يو تيوب» بعنوان «المفتونون» استغرق سبع دقائق. وجاء الفيلم على ذات النسق الذي عرض به فيلم الفتنة حيث تصدر المشهد الأول صورة الإنجيل ونصوص منه تدعو إلى استخدم العنف والقوة، ثم يظهر وجه فيلدرز بتعليق يقول إنه صهيوني عنصري بالفعل والقول. وأعقب ذلك مشاهد عنف وإرهاب ارتكبت بحق المسلمين منها تعذيب العراقيين في سجون أبو غريب على أيدي الأميركيين، وقتل الفلسطينيين على أيدي اليهود.
أما جديد التطورات فهو تقديم الرسام الكاريكاتيري كورت ويسترجورد صاحب الرسوم المسيئة للرسول، دعوى قضائية ضد فيلدرز لاستعماله رسوماته في مقدمة فيلمه ونهايته، مشيرا إلى أنه لا يريد أن يستعمل رسمه بطريقة عنصرية. كما تقدمت نقابة الصحافيين بالدنمارك بدعوى مماثلة ضد فيلدرز لإساءته استخدام الرسم الكاريكاتيري في فيلم عنصري.
وكان موقع إلكتروني وحيد في الدنمارك قد عرض الفيلم وترجع ملكيته لمنظمة (أوقفوا أسلمة الدنمارك) والتي سحبت عرضه بعد أن تلقت تحذيرات رفيعة المستوى خوفاً من محاسبتها قانونياً.
إلى ذلك، رفض منتج الفيلم عضو البرلمان الهولندي اليميني المتطرف جريت فيلدرز، دعوة وجهها له مجلس الأديان وفلسفات الحياة بأمستردام واتحاد المساجد المغربية يوم الاثنين الماضي لإجراء حوار مفتوح حول الفيلم ينظم تحت عنوان «من القلب والروح».
وادعى فيلدرز أنه لن يشارك في أي حوارات إلا بعد أن يوفر لنفسه الاحترازات الأمنية لحمايته من أي تهديدات.
إجراءات قضائية
وعلى صعيد ذي صلة أبلغ سفراء 26 دولة إسلامية من منظمة المؤتمر الإسلامي في لاهاي خلال اجتماعهم بوزير الخارجية الهولندي ماكسيم فيرهاجين بأنهم بصدد إقامة دعوى جماعية باسم الدول الإسلامية ضد منتج ومعد فيلم «الفتنة» المسيء للقرآن عضو البرلمان الهولندي جريت فيلدرز.
وقال السفراء لفيرهاجين إن الإساءة التي حملها فيلم الفتنة تستوجب العقاب القانوني وعلى الحكومة الهولندية أن تتحرك مع الدول الإسلامية وتقديم المساعدة في هذا الإطار لإثبات رفضها التام للفيلم. وجاء على رأس وفد السفراء، سفراء كل من السعودية، ومصر وإيران، والأردن، وماليزيا، والمغرب، والسودان، وتركيا.
إلا أن فيرهاجين رفض تقديم الدعم القانوني أو التعاون الرسمي في هذا الإطار، وحاول خلال اجتماعه الاحتفاظ بابتسامة هادئة لإضفاء جو من الحميمية على مناخ الاجتماع الذي اتسم بالتوتر. وأكد أنه لا يمكنه تقديم المساعدة لإقامة مثل هذه الدعوى، وزعم أن حكومته أوضحت موقفها الرافض منذ البداية للفيلم. وطالب السفراء بضرورة رعاية وحماية الرعايا والمصالح الهولندية في دولهم، معربا عن قلق حكومته من أي أضرار أو مخاطر يمكن أن تصيبهم.