إن أخذ العوض على تحفيظ القرآن الكريم وكيفية تلاوته وأحكامه، وتعليم الفقه والتفسير والحديث والعقيدة، وغيرها من علوم الشريعة الإسلامية أثار خلاف علماء السلف والخلف، وكان لهم فيه آراء عدة معضدة بأدلة الشرع المعتبرة.
ولما كان على كل مسلم تعلم هذه العلوم بحسبان طلب تعلمها فريضة على كل مسلم، ويندر فى زماننا من يعلمها بغير عوض، لما يتطلبه تعليمها من انقطاع المعلم لمن يتولى ذلك منهم، تاركاً بها تكسب أسباب حياته وحياة ذويه، كان لابد من بيان موقف علماء الشريعة من حكم أخذ الأجر على تعليم هذه العلوم .
وقد اختلف الفقهاء على مذاهب ثلاثة:
المذهب الأول:
يرى أصحابه جواز الإجارة وأخذ الأجرة على تعليم القرآن وغيره من علوم الشريعة، على تفصيل بين بعضهم فيه، وروي هذا عن عمر وعمار بن ياسر وسعد بن أبي وقاص، وقد رخص في أجور المعلمين ابو قلابة وعطاء ومعاوية بن قرة، وابن سيرين في رواية عنه وابن المنذر وابو ثور، وقال الحكم بن عتيبة: ما علمت أحداً كره أجر المعلم، وهذا المذهب هو قول متأخري الحنفية وعليه الفتوى في مذهبهم.
وقال المالكية بجواز الإجارة على تعليم القرآن وكراهتها على تعليم غيره من العلوم الشرعية.
ومذهب الشافعية جواز الإجارة على تعليم القرآن، وأما الاستئجار على تدريس العلم فلا يجوز في مذهبهم إلا إذا عين المعلم أشخاصاً ومسائل مضبوطة من العلم يعلمها لهم، وهذا المذهب رواية عن أحمد، وإليه ذهب الظاهرية.
المذهب الثاني:
يرى من ذهب اليه جواز اخذ الاجرة على تعليم القرآن والعلوم الشرعية اذا لم يطلب المعلم ذلك ولم يشارط عليه، وممن كره الاجرة على التعليم اذا شرطت: الحسن البصري وطاووس وابن سيرين في رواية اخرى عنه والنخعي.
وقال الشعبي: لا يشترط المعلم على من يعلمه اجرة الا ان يعطى شيئا فليقبله.
وروي عن احمد انه قال: لا يطلب المعلم ولا يشارط فإن اعطي شيئا اخذه وقال في رواية اخرى: اكره اجر المعلم اذا شرط فإذا كان لا يشارط ولا يطلب من احد شيئا، فأعطي شيئا فليقبله.
المذهب الثالث:
يرى أصحابه أنه لا تجوز الإجارة أو أخذ الأجرة على تعليم القرآن وغيره من العلوم الشرعية، روي هذا عن عبد الله بن مغفل، وعبدالله بن يزيد، وعبدالله بن شقيق، وعوف بن مالك والضحاك بن قيس وعلقمة والزهري والحسن بن حي واسحاق وشريح وإليه ذهب متقدمو الحنفية، وهو رواية عن أحمد هي مشهور مذهب أصحابه في أخذ الأجرة على تعليم القرآن، ولكنهم اتفقوا على جواز الإجارة وأخذ الأجرة على تعليم الفقه والحديث لأنه لا يختص فاعله أن يكون من أهل القرية.
أدلة المذاهب:
استدل أصحاب المذهب الأول على جواز الإجارة وأخذ الأجرة على تعليم القرآن وغيره من علوم الشريعة بما يلي:
أولاً: السنة النبوية المطهرة:
1- روي عن ابن عباس (رضي الله عنه) انه قال: «إن نفراً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مروا بماء فيهم لديغ، فعرض لهم رجل من أهل الماء، فقال: هل فيكم من راق؟، فانطلق رجل منهم فقرأ بفاتحة الكتاب على شاء، فبرئ، فجاء بالشاء إلى أصحابه فكرهوا ذلك، وقالوا: أخذت على كتاب الله أجراً، حتى قدموا المدينة، فقالوا: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ على كتاب الله أجراً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله».
وجه الاستدلال:
بين رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه أن كتاب الله سبحانه وتعالى أحق أن يؤخذ عليه أجر، وقوله صلى الله عليه وسلم وإن جاء في واقعة أخذ فيها الأجر على الرقية بالقرآن، إلا أن العبرة بعموم اللفظ، واللفظ في الحديث عام يفيد جواز أخذ الأجرة، على تعليم كتاب الله تعالى وقراءته ونسخه والرقية به وغير ذلك، لأن اللفظ صالح لذلك كله .
2- روي عن أبي سعيد الخدري (رضي الله عنه) أنه قال: «انطلق نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفرة سافروها حتى نزلوا على حي من أحياء العرب، فاستضافوهم فأبوا أن يضيفوهم، فلدغ سيد ذلك الحي، فسعوا له بكل شيء لاينفعه، فقال بعضهم: لو أتيتم هؤلاء الرهط الذين نزلوا لعله أن يكون عند بعضهم شيء، فأتوهم فقالوا: يا أيها الرهط إن سيدنا لدغ وسعينا له بكل شيء لا ينفعه، فهل عند أحد منكم من شيء؟، فقال بعضهم: نعم والله إني لأرقي، ولكن استضفناكم فلم تضيفونا، فما أنا براق حتى تجعلوا لنا جعلاً، فصالحوهم على قطيع من الغنم، فانطلق يتفل عليه ويقرأ الحمد لله رب العالمين، فكأنما نشط من عقال، فانطلق يمشي وما به قلبة، قال: فأوفوهم جعلهم الذي صالحوهم عليه، فقال بعضهم: اقتسموا، فقال الذي رقي: لا تفعلوا حتى نأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فنذكر الذي كان فننظر ما يأمرنا، فقدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا له ذلك، فقال صلى الله عليه وسلم: وما يدريك أنها رقية؟، ثم قال صلى الله عليه وسلم: قد أصبتم اقتسموا واضربوا لي معكم سهماً».
وجه الاستدلال:
أباح رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث أخذ الجُعل على الرقية بالقرآن، فهو يدل على جواز أخذ العوض على قراءته، وتعليمه، ونسخه، وغيرها، إذ لا فرق بين قراءته للتعليم وقراءته للطب.
ثانياً: آثار الصحابة:
1 - روي عن شعبة « أن عمار بن ياسر (رضي الله عنه) قد أعطى قوماً قرأوا القرآن في رمضان».
2 - روي عن سفيان «أن سعد بن أبي وقاص (رضي الله عنه) قال: من قرأ القرآن ألحقته على ألفين».
-3 روي عن الوضين بن عطاء قال: «كان بالمدينة ثلاثة معلمين يعلمون الصبيان، فكان عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) يرزق كل واحد منهم خمسة عشر درهما في كل شهر».
وجه الدلالة من هذه الآثار:
بينت هذه الآثار ان عمار بن ياسر وسعد بن ابي وقاص اعطيا الاجر على قراءة القرآن وان عمر كان يعطي ثلاثة معلمين - يتولون تعليم الصبيان القرآن بالمدينة - في كل شهر خمسة عشر درهما.
-4 ان ابن سيرين - وقد ادرك اكابر الصحابة واخذ عنهم - اخبر ان ثمة معلما كان يعلم بالمدينة فكان يأخذ اجرا على ذلك فهذه الآثار تدل على جواز الاجارة واخذ الاجرة على تعليم القرآن وغيره من العلوم الشرعية.
ثالثا: إجماع اهل المدينة
قال مالك: لم يبلغني ان احدا كره تعليم القرآن والكتابة بأجر.
رابعاً: المعقول:
1 - إنه يجوز أخذ الرزق من بيت المال على تعليم القرآن والفقه والحديث وغيرها من العلوم الشرعية، فجاز أخذ الأجرة عليه كبناء المساجد والقناطر.
• اعترض على الاستدلال بهذا الوجه بما يلي:
قال ابن قدامة: ان ثمة فارقا بين ما يؤخذ عليه الرزق وما يؤخذ عليه الاجر فإن رزق بيت المال يجوز على ما يتعدى نفعه لأن بيت المال لمصلحة المسلمين فإن كان بذله لمن يتعدى نفعه إلى المسلمين محتاجا اليه كان من المصالح وكان للأخذ اخذه لأنه من اهله، فجرى مجرى الوقف على من يقوم بهذه المصالح بخلاف الاجر.
2 - إن حاجة الناس ماسة إلى من يعلمهم القرآن والفقه، وقل من يبذل ذلك حسبة لله تعالى، وقد كان للمعلمين أعطيات من بيت المال وزيادة،
لترغيبهم في إقامة الحسبة في أمور الدين ومجازاة للإحسان بمثله من غير شرط اعانة لهم على معاشهم، وقد كان يفتي بوجوب التعليم خوفاً من ذهاب القرآن، وحرصا على تكثير حفاظ القرآن، أما اليوم فقد اشتغل الحفاظ بمعاشهم، وقل من يعمل منهم ذلك حسبة، لعدم تفرغهم له وانشغالهم بحاجتهم، فلو لم يفتح لهم باب التعليم بالأجر لذهب القرآن، فأفتي بجوازه لذلك، لأن الأحكام قد تختلف باختلاف الأزمان.
وجه ما ذهب إليه المالكية من كراهة أخذ الأجرة على تعليم غير القرآن من العلوم ما يلي:
المعقول:
1 - إن أخذ الأجرة على تعليم العلم ذريعة إلى قلة طلاب العلم الشرعي، وذلك لأن منهم من لا يتمكن من بذل الأجرة .
2 - إن نشر العلم الديني فرض، وأخذ الأجرة على تعليمه معطل له في الجملة، فكانت الإجارة على تعليمه مكروهة.
وجه ما ذهب إليه الشافعية من عدم جواز الإجارة إلا إذا عين المعلم أشخاصاً ومسائل مضبوطة يعلمها لهم ما يلي:
أولاً: الكتاب الكريم:
قال تعالى: (إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون)
ثانياً: السنة النبوية المطهرة
روي عن أبي هريرة (رضي الله عنه) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من كتم علماً نافعاً ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة»..
وجه الدلالة من الآية والحديث:
إن في الآية الكريمة والحديث الشريف تحذيراً ووعيداً شديدين لمن كتم العلم، ولا يكون شيء من الكتمان أبلغ من أخذ الأجرة على تعليم العلم، والمقصود بالعلم الذي لا ينبغي كتمانه هو العلم الذي لم يعين من يتلقاه وما يلقي إليهم منه، وذلك هو التدريس العام، والنهي عن أخذ الأجرة عليه لأنه فرض كفاية، وثابت على الشيوع، ولأنه لا ينضبط فوجب على المعلم أن يقوم به من دون أجر، أما إذا عين من يتلقون العلم، وانحصرت المسائل التي يتعلمونها وضبطت، جاز أخذ الأجرة على التعليم حينئذ، لانتفاء الجهالة في العمل .
ادلة أصحاب المذهب الثاني على عدم جواز الإجارة على تعليم القرآن والعلوم الشرعية اذا لم يشارط المعلم عليه ما يلي:
أولاً: السنة النبوية المطهرة
-1 روي عن علي بن رباح ان ابي بن كعب (رضي الله عنه) قال: «كنت اختلف إلى رجل مسن قد اصابته علة واحتبس في بيته اقرئة القرآن فكان عند فراغي مما اقرئه يقول لجارية له: هلمي بطعام اخي، فيؤتى بطعام لا اكل مثله في المدينة فحاك في نفسي منه شيء فذكرته للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: ان كان ذلك الطعام طعامك وطعام اهله فكل منه وان كان يتحفك به فلا تأكله»
وجه الدلالة منه:
أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي (رضي الله عنه) ان يأكل من هذا الطعام الذي يقدم له اذا كان من عادة المتعلم واهله الاكل من مثله ولم يختص به ابي وهو ظاهر في عدم اشتراطه الاطعام عليه عوضا على تعليمه له.
اعترض على الاستدلال به بما يلي:
قال ابن حزم: ان هذا الحديث منقطع، لأن علي بن رباح لم يدرك ابي بن كعب.
-2 روي عن ابن عمر (رضي الله عنهما) انه صلى الله عليه وسلم قال لعمر «ما اتاك من هذا المال من غير مسألة ولا اشراف نفس فخذه وتموله فإنه رزق ساقه الله اليك».
• وجه الاستدلال به:
يفيد هذا الحديث ان المال الذي يأتي إلى المرء من غير سؤال او اشتراط، فهو رزق ساقه الله اليه وله ان يأخذه فإن اتاه بالاشتراط فليس له اخذه، فهذا دليل على جواز اخذ الاجرة على تعليم القرآن والعلوم الشرعية اذا لم يكن ثمة اشتراط على اعطاء اجر معين.
ثانيا: القياس
ان الاجرة على تعليم القرآن والعلوم الشرعية اذا كانت بغير اشتراط كانت هبة مجردة فيجوز اخذها كما لو لم يعلمه شيئا.
ادلة اصحاب المذهب الثالث على عدم جواز الاجارة على تعليم القرآن والعلوم الشرعية او اخذ الاجرة على ذلك ما يلي:
اولا: السنة النبوية المطهرة:
1 - روي عن عبادة بن الصامت (رضي الله عنه) أنه قال: «علمت ناساً من أهل الصفة القرآن والكتابة، فأهدى إلى رجل منهم قوسا،ً قلت: قوس وليس بمال، أتقلدها في سبيل الله فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم ، فقال صلى الله عليه وسلم: إن سرك أن يقلدك الله قوساً من نار فاقبلها».
وجه الاستدلال به:
حذر رسول الله صلى الله عليه وسلم عبادة بن الصامت (رضي الله عنه) من أخذ هذا القوس عوضاً عما قام به من تعليم هؤلاء القوم القرآن والكتابة، وتوعده بأن يقلد بدلها قوسا من نار يوم القيامة، وهذا الوعيد الشديد لا يكون إلا على أمر حظره الشارع ومنع منه، فدل هذا على عدم جواز الإجارة وأخذ الأجرة على تعليم القرآن وغيره من العلوم الشرعية .
-2 روي عن ابي بن كعب (رضي الله عنه) «انه علم رجلا سورة من القرآن فأهدى اليه خميصه او ثوبا فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: لو انك لبستها او اخذتها البسك الله مكانها ثوبا من نار».
وجه الاستدلال به:
حذر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبي بن كعب من أخذ الخميصة أو الثوب، وتوعده على أخذها أو لبسها أن يلبسه الله تعالى مكانها ثوباً من نار، وهذا التحذير والوعيد لا يكون إلا على أمر منع منه الشارع، فدل هذا على عدم جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن .
3 - روي عن أبي إدريس الخولاني قال: « كان عند أبي بن كعب ناس يقرئهم من أهل اليمن، فأعطاه أحدهم قوساً يتسلحها في سبيل الله تعالي، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : أتحب أن تأتي بها في عنقك يوم القيامة ناراً ؟».
وجه الاستدلال به:
حذر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبي بن كعب (رضي الله عنه) من أخذ هذه القوس عوضاً عن تعليمه هذه الطائفة من أهل اليمن، ولو كان يتقلدها للجهاد بها في سبيل الله تعالى وتوعده إن أخذها ان يقلد بها عنقه نارا يوم القيامة، فهذا التحذير والوعيد انما يكون على امر حظره الشارع، فيدل على المنع من اخذ الاجرة على تعليم القرآن وغيره من علوم الشريعة.
5 - روي عن أبي الدرداء (رضي الله عنه) أن رسول الله عليه وسلم قال: «من أخذ قوساً على تعليم القرآن قلده الله قوساً من نار».
6 - روى سليمان بن بريدة عن أبيه (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من قرأ القرآن يأكل به الناس جاء يوم القيامة ووجهه عظمة ليس عليه اللحم».
• وجه الدلالة من الحديثين:
توعد رسول الله صلى الله عليه وسلم من يأخذ على قراءة القرآن أو تعليمه أجراً، باستحقاقه العذاب يوم القيامة بما أخذه، وهذا الوعيد إنما يكون على اقتراف أمر محرم، فدل الحديثان على المنع من أخذ الأجرة على ذلك.
ثالثاً: المعقول:
1 - إن تعليم القرآن والعلوم الشرعية قربة إلى الله تعالى ولا يقع إلا لفاعله، فلا يجوز أخذ الأجرة عليه بالشرط أو بغيره، لأن أخذ الأجرة عليه يخرجه عن أن يكون قربة، قياساً على الصلاة والصيام.
2 - إن الجعل الذي يؤخذ على تعليم القرآن محرم كالجعل الذي يؤخذ على تعليم الصلاة، وذلك لأن كلاً منهما تعليم واجب على الناس، ولا يؤخذ على أداء الواجب أجر.
3 - إن الاستئجار على تعليم القرآن والعلم سبب لتنفير الناس عن تعلمهما، لأن ثقل الأجر أشار الحق سبحانه في قوله: (أم تسألهم أجرا فهم من مغرم مثقلون) فيؤدي أخذ الأجر على ذلك إلى الرغبة عن الطاعات وهذا لا يجوز، وقد قال تعالى: (وما تسألهم عليه من أجر) اي على ما تبلغ اليهم اجرا، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبلغ بنفسه وبغيره، إذ يقول صلى الله عليه وسلم : «ألا فليبلغ الشاهد الغائب»، فكان كل معلم مبلغاً عنه، وإذا لم يجز له أخذ الأجرة على ما يبلغ بنفسه لما سبق، فكذا لا يجوز لمن يبلغ بأمره، لأن ذلك تبليغ منه معنى.
المناقشة والترجيح:
بعد استعراض أدلة هذه المذاهب، والاعتراضات الواردة على بعضها، وما أجيب به عن بعض هذه الاعتراضات، وما رد به بعض هذه الأجوبة، فإني أرى رجحان ما ذهب إليه القائلون بجواز الإجارة وأخذ الأجرة على تعليم القرآن وغيره من علوم الشريعة، وهو ما ذهب اليه متأخرو الحنفية، وروي عن احمد وذهب اليه الظاهرية، ومن وافقهم في القول به ولما استدل به اصحاب هذا المذهب من السنة والوجه الثاني من معقولهم.
ولا حجة في الاستدلال بالآثار المروية عن الصحابة في هذه المسألة لتعارضها، فتتساقط ولا يحتج بها، ولا وجه للاستدلال بإجماع أهل المدينة او غيرهم في هذه المسألة لثبوت الخلاف بين فقهاء المدينة وغيرهم على النحو السابق، ولا تلازم بين أخذ الرزق من بيت المال على ذلك وأخذ الأجرة عليه من آحاد المسلمين، ولذا فإن الاستدلال بالوجه الأول من معقولهم لا يفيدهم في تعضيد مذهبهم، ولا ينال من حجية ما استدلوا به من السنة ما ورد عليها من اعتراضات، فإن ما اعترض به على الاستدلال بحديثي الرقية يمكن دفعه، بأن يقال: إن التفريق في الحكم بين أخذ الأجرة على الرقية بالقرآن، وأخذها على تعليمه وغيره من علوم الشريعة تحكم بلا دليل شرعي، بل إن الدليل قد قام على خلافه، وهو ما جاء في حديث ابن عباس (رضي الله عنهما) من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه وقد أنكروا على من أخذ أجراً على كتاب الله تعالى: « إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله»، وعموم هذا النص يدل على جواز أخذ الأجرة على كتاب الله تعالى مطلقاً، سواء كانت الأجرة في مقابل تلاوته، أو الرقية به أو تعليمه، أو نسخه، أو بيان أحكامه، أو غير ذلك من أعمال تتعلق بالكتاب الكريم، فهذا اللفظ صادق على ذلك كله.
ولا وجه لتخصيص بعض الحنفية الاجر في هذا الحديث بالثواب لأن سياق الحديث ليس فيه ذكر لذلك وانما فيه اخذ «شاء» على الرقية بالقرآن، وليست هذه من قبيل الثواب وانما هي اجرة على ذلك.
واما ما اعترض به ابن قدامة على حديث سهل بن سعد فيقال له فيه: ان قول رسول الله صلى الله عليه وسلم «قد ملكتكها بما معك من القرآن» يحتمل وجهين اظهرهما ان يعلمها ما معه من القرآن او قدرا معينا منه ويكون هذا صداقا لها ويؤيد هذا الاحتمال قوله صلى الله عليه وسلم في بعض طرق هذا الحديث «قد زوجتكها فعلمها من القرآن» وقد قوى الصنعاني هذا الاحتمال وقال انه اظهر لثبوته في رواية الصحيحين.
ودعوى ان رسول الله صلى الله عليه وسلم زوجه اياها بغير صداق لا دلالة عليه في هذا الحديث ولا دلالة فيه كذلك على ما قاله الشوكاني من خصوصية جعل تعليم القرآن صداقا بهذين فقط.
وما وجه به المالكية مذهبهم من كراهة اخذ الاجرة على تعليم العلوم الشرعية لا وجه لهم فيه وذلك لأن تعطيل التعليم الشرعي وقلة طلابه اذا اخذت الاجرة عليه انما يتأتى اذا كانت الاجارة عليه هي الوسيلة الوحيدة لتعلمه ولكن هذا لا يتأتى في عصرنا الذي نعيشه بعد ان انتشرت وسائل الاعلام المختلفة فيسرت للناس طريقا من طرق العلم بالعلوم الشرعية وبعد ان حفلت المطبوعات بكثير من هذه العلوم وقد بسطت هذه المصنفات بحيث لا يعجز الكثيرون عن كشف مكنونات الشريعة وخزائن علومها اذا اطلعوا على هذه المصنفات وبعد ان اخذ ولاة الامور في البلاد الاسلامية على عاتقهم تدبير من يقومون بتدريس هذه العلوم واجراء الرواتب عليهم من خزانة الدولة او اوقاف المسلمين إلى غير ذلك من وسائل تشبع نهم طلاب العلوم الشرعية من دون اجارة وقد ترتب على هذا ندرة من يستأجر في زماننا على ذلك ويرد بهذا ايضا على ما استدل به الشافعية على مذهبهم اذ ليس يكتم احد علما نافعا ولا محل للقول بكتمانه حتى تؤخذ عليه الاجرة لما بيناه من قبل.
أما ما استدل به أصحاب المذهب الثاني من السنة فقد اعترض ابن حزم على الحديث الاول بالانقطاع، واما الحديث الثاني فلا دلالة فيه على جواز اخذ الاجرة على تعليم القرآن الكريم والعلوم الشرعية اذا لم يشارط المعلم عليها فليس فيه ذكر للاجرة اصلا وان سلم دلالته على ذلك فإنه يعارض ما جاء في حديث ابن عباس الذي جاء فيه: «فانطلق رجل منهم فقرأ بفاتحة الكتاب على شاء» فقوله «علي شاء» دليل على ان الشاء قد اشترطت قبل الرقية وحديث ابي سعيد الخدري صريح في اشتراط الجعل قبل الرقية اذ جاء فيه «ما انا براق حتى تجعلوا لنا جعلا» وقد اقر رسول الله صلى الله عليه وسلم اخذ هذا الجعل بالاشتراط وقياسهم الاجرة في الاجارة على الهبة قياس مع الفارق اذ الاجرة عوض عن المنفعة في عقد معاوضة والهبة عقد تبرع فكيف تتحول طبيعة الاجرة من العوض إلى التبرع بمجرد عدم اشتراطها قبل العمل؟!
اما ما استدل به اصحاب المذهب الثالث من السنة فقد اعترض على الاستدلال بها بعض العلماء وقد اجاب العيني عن هذه الاعتراضات بأن بعض هذه الاحاديث صحيح وبعضها الآخر وان كان فيه مقال الا انها تعضد بعضها واذا سلمنا بصحتها فإنه يترتب على ذلك معارضتها للاحاديث الصحيحة التي استدل بها اصحاب المذهب الاول لذا كان لا بد من التوفيق بينها وفي معرض التوفيق بينهما لا نقول كما قال العيني اذا جاء دليل الحظر بعد دليل الاباحة دل هذا على نسخ المحرم للمبيع فإن هذا قد اجبنا عنه قبلا ولكنا نقول كما قال كثير من العلماء: ان الاحاديث الدالة على المنع من اخذ الاجرة على التعليم قضايا اعيان تحتمل احتمالات عدة فيحتمل ان يكون تعليم من علموا فيها قد تعين على من قام به، فكان الوعيد على اخذ الاجرة منهم لأنه لا يجوز لمن علمهم ان يأخذ منهم اجرا عليه ويحتمل ان يكون تعليم هؤلاء حسبة لله تعالى من دون اجر فلما اخذ منهم الاجر عليه كان التحذير والوعيد لرغبة المعلم عن طلب المثوبة من الله تعالى عليه ويحتمل ان يكون اخذ الاجرة من هؤلاء بخصوصهم مكروها لحاجتهم وفقرهم ويحتمل غير ذلك مما قال به العلماء.
ولا حجة فيما استدل به اصحاب هذا المذهب من وجوه المعقول فإن اعتبارهم اخذ الاجرة على التعليم بأخذها على الصلاة والصيام عن الغير في الوجه الاول من معقولهم قياس فاسد لأن حكم الاصل مختلف فيه بين الفقهاء ويقال لهم في الوجه الثاني من معقولهم ان اخذ الجعل على تعليم الناس الصلاة هو من محل النزاع فلا يقاس عليه غيره ويجاب عن الوجه الثالث بما اجيب به عن معقول المالكية من قبل.
استاذ العلوم الشرعية بجامعتي الازهر والامارات والجامعة الاميركية المفتوحة