الإسلام قدم نفسه للبشرية كدين سلام ولم ينتشر جبرا أو بحد السيف

1 يناير 1970 03:19 م



|   القاهرة - د. عبدالغني عبدالله   |


قضية محسومة... لكن المستشرقين يرفضون حسمها ولم ينقادوا للحق - يدعون ان الاسلام انتشر بحد السيف، وان المسلمين اجبروا الناس على اتباع دين الإسلام، وهنا فقد حادوا عن الحق، وتمسكوا بالباطل، وهنا رد بسيط يدحض هذا الادعاء.

يلجأ المستشرقون دائما إلى الاباطيل فيما يكتبونه عن الاسلام والمسلمين في جميع الميادين علما بأن الامور واضحة وجلية، وليس هناك من شك في ان كل ما يكتبونه انما هو اندفاعات غير محبة للعرب او الاسلام، فمثلا يروجون دائما لمقولة ان الاسلام قد انتشر بحد السيف وهي كلمة باطلة اريد بها باطل. لأنهم يعرفون الحق ويحيدون عنه وهناك من العلماء والمفكرين المسلمين من تصدى لذلك بشكل مستمر وما زالوا، وزاد هؤلاء المستشرقون في تهويلهم بالقول ان الناس قد دخلوا الاسلام نتيجة خوف ورعب من مصير سيئ ان هم رفضوا الدخول في الإسلام. واذا اضفنا إلى ذلك كراهية الغرب عند بعض منه لنا دينا وبشرا فإننا نكون بذلك قد وضعنا يدنا على بيت القصيد فالغرب في اغلبه انما هو استعماري منذ عصر النهضة اهدافه سيطرة سياسية واقتصادية دون شك ومع تداول الايام حدث ما هو ضد تلك السيطرة فسموه ارهابا اسلاميا وادعى بعضهم ان الدين الاسلامي يحض على الارهاب والقتل والتدمير، والاسلام من ذلك براء ولا هو حاض على الارهاب ولا خلافه بل هو دين سلام يدعو للبناء ويدعو للتطور والعلم والرقي، وان هؤلاء الناس هم ضمن حركات سياسية لا دخل للاسلام بها على الاطلاق، انما في رأيي هو اسلوب مرفوض وخصوصا عند ضرب الآمنين، وهي كلها اسباب سياسية بحتة والاسلام والعروبة براء تماما منها ولا توافق عليه.

اما مقولة انتشار الاسلام بحد السيف فهي مقولة غير مطابقة للحقيقة فنحن لم يصل إلى ايدينا ولا إلى سمعنا ما يشير إلى اجبار شخص على ترك ملته او دينه للدخول في الاسلام.

العرب ليسوا هم سكان شبه الجزيرة العربية فقط انما هم ايضا في الشام والعراق ومصر والسودان، وغير ذلك في المنطقة، وتتراوح كثافة اعداد المسلمين بسبب البعد او القرب من المركز الرئيسي الذي خرجت منه الهجرات العربية او السامية، ومعروف انه خرجت من شبه الجزيرة العربية هجرات عدة هي:

1ـ العموريون إلى سورية وفرع منها إلى العراق (بابل)

2ـ الآراميون إلى الشام

3ـ الكنعانيون إلى فلسطين وجزء منهم إلى لبنان (الفينيقيون)

ومارست كل هذه الهجرات حياتها في المناطق الجديدة واستقرت، وتوالت الهجرات طوال الآلاف المتتابعة من الاعوام قبل وبعد الميلاد ومنهم من تسرب إلى افريقيا عبر باب المندب او إلى سيناء ثم إلى وادي النيل حيث انه يتلاحظ على هذه الهجرات انها خرجت من اراضي الجدب إلى اراضي الخصب ولم يشذ عن ذلك إلا:

1ـ العبرانيون، ويقول عنهم البعض انهم «الخابيرو» او «العابيرو» الذين قالوا انهم جاءوا من ارض الرافدين (دجلة والفرات) وهذه مقولة غير معقولة تأسيسا على القاعدة السابقة من ان الهجرة تخرج من ارض الجدب إلى ارض الخصب، ولا يعقل ان يكونوا قد عبروا دجلة والفرات الخصبة وجاءوا الي بادية الشام المجدبة إلى فلسطين الاقل خصبا من ارض دجلة والفرات.

نخلص من هذا إلى ان العرب قد انتشروا في الشام والعراق ومنهم في مصر والسودان، وكثير من الجغرافيين يعتبر الشام والعراق (او على الاقل جنوب كل منهما) جزءا لا يتجزأ من شبه الجزيرة العربية - اي انهم عرب يسكنون ارضا عربية.

ثقافات عربية

لما جاء الاسكندر الاكبر واستولى على الشام والعراق ومصر وبعد وفاته قسمت على ورثته، وطبعت هذه المناطق بطابع هيليني يوناني واثر وتأثر (الطابع الهيليني) فيما هو موجود ثقافي وحضاري بالمنطقة والذي كان يحمل الصفات القديمة، وظهرت عنه انواع جديدة من الحضارات اخذت تتطور من الهيليني الي الروماني إلى البيزنطي إلى المسيحي اول في الشام وثان في مصر حتى الهيليني في الشام وجزء كبير من العراق تحول إلى هيلنتي (هيلين + ايست east) وكان لكل الحضارات القديمة من فرعونية في مصر وفرثية في ايران وجزء من العراق وغير ذلك من حضارات المنطقة وبكتيرية في افغانستان، تتابع حضاري مستمر ودائم وتطور هائل كان عند آخر العصور الوسطى ذلك التمدن الاسلامي الذي من دون شك كان قد استفاد من كل ذلك الجهد البشري والثقافي والحضاري في المنطقة الذي هو في حقيقته جهد عربي وان كان قد اختفى تحت اسماء مختلفة يونانية ورومانية ومسيحية ووثنية وغير ذلك من التسميات المختلفة.

نخلص من هذا ايضا ان الاصول الحضارية الاولى من المنطقة كانت تعود لسكانها العرب، حضارات عربية سامية دون شك وباستفادتها كلها من الموروث الجديد المنقول اليها من ركاب الاسكندر الاكبر ومن جاء بعده انما هي ثقافات وحضارات عربية حميمة رغم تبدل الصفات الجنسية واسمائها الاانها عربية - عرب يسكنون ويعيشون في ظل حضارة عربية متنوعة وقديمة وانها تطورت وفق حتمية التاريخ وحتمية النقل الحضاري وتعاون الحضارات مع بعضها البعض ولا يهمنا ان كان سكان الشام ومصر مثلا قد اطلق عليهم اسم الرومان انما هم في الاصل عرب تحت الاحتلال الروماني ومن جاء بعده، ولا يهمنا ايضا ان اهل العراق كانوا يرزحون تحت الحكم الساساني ومن كانوا قبلهم وعرفوا بالساسانيين ولكنهم في الاصل عرب تحت الحكم الساساني والقرني من قبله والاخميني من قبلهما وهؤلاء الروم من اهل الشام انما هم عرب والفرس من اهل العراق هم ايضا عرب ولكن الاحتلال هو الذي اظهرهم بجناس مختلفة واستمرت الاعوام والقرون ونسي الناس تلك الحقيقة.

وكان دور الدولة الاسلامية ازاء هذه الحقيقة هو ضرورة تحرير هؤلاء العرب من الحكم الاجنبي من حركة سياسية هدفها تحرير عرب الشام ومصر من حكم الرومان (البيزنطيون) وتحرير عرب العراق من حكم بني ساسان وهكذا وجدنا ان اول الصدام في الشام كان ضد دولة الانباط في الشام واول الصدام في العراق كان مع المناذرة و(الاثنان الانباط والمناذرة عرب) (امارات عازلة بين الرومانية وعرب شبه الجزيرة) و(الفرس وعرب شبه الجزيرة) والفتح الذي يدعيه المستشرقون الغربيون انما هو تحرير للعرب من ربقة الاستعمار الاجنبي (حركة سياسية تكتيكية) ومن الطبيعي ان تتحقق وحدة العرب في كل هذه المناطق بعد تحريرها من المحتل الاجنبي ليصبح هدفا قوميا استراتيجيا للم شمل العرب جميعا في دولة واحدة.


 التحرر من الخوف

حكام المناطق العربية في الشام ومصر والعراق من الروم والفرس كانوا في منتهى القسوة في معاملة سكان هذه المناطق في شكل اضطهاد دائم، وظلم وجور كبيرين، وهكذا المناطق الاخرى التي دخلت في كنف الدولة الاسلامية وعندما تحررت هذه الجهات «فتحت» حدث ان تحرر السكان من الخوف من حكامهم، حيث كانوا يجبرون على اتباع اديان ومذاهب حكامهم، وانفتح المجال امامهم للمقارنة بين المعتقدات، واختاروا اقربها إلى عقولهم وفهمهم وقناعاتهم واختاروا معتقداتهم بكل الحرية ودون الخوف او الوجل من المستبد او الطاغية فأقبلوا على الإسلام ويفسر لنا ذلك سرعة انتشار الاسلام في هذه المناطق التي حررها العرب ووحدوها في دولة جديدة هذا شكل واحد من اشكال الاقبال على الاسلام.

والعرب عاشوا قديما في شبه الجزيرة العربية وقبل تصحرها كانت منطقة خصبة - مياه وارض ومناخ - وهي كلها العناصر الاساسية للتجمع البشري ولكنها قبل الاسلام بفترات طويلة تعرضت للجدب والتصحر، وهو امر دفع السكان إلى الهجرة إلى مناطق خصبة جديدة وكما يقال فإن الانسان ابن البيئة وغلة من غلات الارض، فهو يتلاءم مع البيئة المحيطة به، من يسكن عند النهر له عمل معين، ومن يسكن الصحراء له عمل يتلاءم مع البيئة الصحراوية، اما الساكن بجوار البحر فإن اعماله تعتمد على تلك البيئة البحرية، واصبح سكان وسط شبه الجزيرة العربية بسبب انعدام المطر او قلته بدوا رحلا يتنقلون وراء الماء والكلأ لأن المنطقة بطبيعتها غير مطيرة، إلا من زخات متباعدة من المطر، متباعدة في اوقاتها وفي اماكن هطولها وتكون صفة عدم ثبات الانسان في موقع واحد مع دوام تنقله فلا يستطيع ان يبني لنفسه بيتا بل هو يستخدم الخيمة وبيت الشعر، ولتلك الحياة ثقافتها وقوانينها وقواعد استمرارها في الحياة.

وتنوعت حياة البشر في شبه الجزيرة العربية وفقا لذلك فالشمال مطير في الشتاء، واقتصاده يقوم على الزراعة والجنوب مطير في الصيف واقتصاده ايضا يقوم على الزراعة اما في الوسط فهو ذو امطار قليلة متباعدة ولذا فالعربي هنا هو ما اشرنا اليه بأنه دائم التنقل خلف الماء والكلأ ولذا فهو لا يعرف الثبات مثل المناطق الزراعية. والمناطق الزراعية قامت في مدن وقرى ومساكن وبيوت (اهل الحضر) اما عرب الصحراء فهم البدو الرحل.

هناك مدن في شبه الجزيرة العربية قامت بها حضارات ونظم حكم مديني يعتمد على المدينة الدولة مثل يثرب ومثل مكة وغير ذلك من المدن ولكن لم يكن هناك دولة في شبه الجزيرة العربية كلها يمكن ان تؤرخ لها انما كان هناك امل عند السكان في دولة واحدة خاصة بهم تماما كما كان املهم في تحسن اجتماعي ينبذ العادات السيئة المنتشرة بينهم ومن بينها عادة وأد البنات، وتوريث الزوجات وغير ذلك من العادات السيئة، وكان املهم الاقتصادي يتمثل في توزيع الثروة بالعدل بينهم، بينما كان من اعظم امانيهم ان يكون من بينهم نبي رسول، يدعو إلى الله والى دين جديد لهم وخاص بهم، كل هذه الاحلام والاماني وغيرها كانت سائدة في شبه الجزيرة قبل الاسلام وقبيله.

وكان ظهور محمد صلى الله عليه وسلم، عبارة عن نقلة كبيرة في حياة السكان وكان لظهور الدين الجديد اثر كبير في اقدام الطبقات المقهورة على اتباع الدين الجديد باعتباره محققا لأمانيهم ثم بدأ العقلاء يجدون في الدين الجديد ضالتهم ولم يعد دين المقهورين فقط واصبح دين الجميع او الغالبية يقبلون عليه افواجا افواجا.

لذلك كان الاسلام هو الدين الأقرب إلى عقولهم والأقرب إلى قناعتهم، هكذا من دون سيف او اجبار، والموضوع ببساطة شديدة جدا سكان مقهورون يتبعون دين ملوكهم ومجبرون على ذلك، وجدوا بعد الفتح انهم احرار في اتباع الدين الذي يجدونه مناسبا بعد انهاء الحكم الديكتاتوري، فاتبعوا الاسلام.


 انتشار الإسلام

يبقى موضوعان حول هذا الموضوع اولهما هو انتشار الاسلام بين شعوب بعيدة تماما عن حركة الجيوش، وتنتفي صفة الاجبار بطبيعة الحال حيث ازدادت حركة التجار جيئة وذهابا والاسلام في ركابهم يقدم نفسه اليهم دين سلام وخلق وعلم وإيمان وحضارة وتحضر وصدق وأمانة، حيث وجد السكان انفسهم امام طراز ديني راق وشامل ويصلح لكل زمان ومكان، وكان اختيارهم له، ووجدنا هذا الطراز في جنوب شرقي آسيا وجنوبها وغرب افريقيا وشرقها.

والقول ان تصدي الدولة لحركة الردة بالقوة العسكرية ووصفه بأنه اجبار لهؤلاء السكان على اتباع الدين الاسلامي بحد السيف انما هو قول على غير الحقيقة. فكل هذه الحركات التي عرفت باسم الردة انما كانت حركات سياسية انفصلت عن جسد الدولة وكان لا بد من اعادتها إلى مكانها الطبيعي كجزء من الدولة ورفض اسلوب ادعاء النبوة على غير حق ووقف ذلك جميعه لتعود مسيرة الوحدة القوية للدولة الجديدة ورفض تفككها، ولذا فقد كان الدين يستخدم من هؤلاء مدعي النبوة مكان التدخل لإعادة الامور إلى نصابها امرا ضروريا وعاديا وليس اجبارا لترك دين واتباع الاسلام، فهم مسلمون وقد ارتدوا ولكن ذلك في الحقيقة كان انفصالا عن وحدة الدولة سياسيا فكان لا بد من اعادة الوحدة السياسية مرة اخرى.

ومن ذلك كله يتضح لنا بجلاء ان الاجبار على اتباع الإسلام بالقوة انما هي دعاوى استشراقية غير صحيحة.