خيرالله خيرالله / ثورة مصرية...على التخلف
1 يناير 1970
11:11 م
| خيرالله خيرالله |
ما حصل في مصر ليس انقلابا عسكريا في أي شكل من الاشكال. لا يمكن لشعب أن يفرح بانقلاب عسكري. ما شهدته مصر كان ثورة شعبية أعادت الثورة الى اصحابها، بدل أن يستولي عليها «الاخوان المسلمون» الذين ارادوا اعادة مصر الى ما كانت عليه طوال 60 عاما عندما كانت تحت حكم العسكر... لكن تحت شعارات دينية لا علاقة لها بالدين الحقيقي.
فشل «الاخوان المسلمون» في جعل مصر «جمهورية اسلامية» على الطريقة الايرانية. لم يكن امامهم سوى تجربة غزّة بكلّ ما تمثله من بؤس. جاء هذا الفشل نتيجة حراك شعبي وضع حدا لعملية خطف ثورة 25 يناير 2011 ثم لعملية خطف لمصر نفسها عن طريق انتخابات رئاسية وبرلمانية سبقتا اقرار دستور جديد صيغ كي يكون على قياس الاخوان المسلمين.
ما يمكن أن يختصر الوضع المصري حاليا أن المصريين يرفضون خطف «الاخوان» لمصر بعدما خطفها العسكر طويلا وتسببوا بكل تلك الكوارث التي توّجت بهزيمة 1967 التي يرفض كثيرون الاعتراف بأنها نتيجة طبيعية لتولي عسكري من طينة جمال عبد الناصر، بثقافته المحدودة، السلطة المطلقة ابتداء من العام 1954.
تحرّكت المؤسسة العسكرية المصرية بما يمليه عليها ضميرها انطلاقا من اعتبارات «وطنية» وليس من اعتبارات سياسية على حد تعبير وزير الدفاع المصري الفريق عبدالفتاح السيسي.
اثبت السيسي أن المؤسسة العسكرية كانت شريكا فعليا في «ثورة 25 يناير» التي ادت الى تنحي الرئيس حسني مبارك وانتقال مصر الى مرحلة جديدة. اراد كل بساطة القول أنّ «الاخوان المسلمين» أخلوا بشروط اللعبة وأستغلوا الثورة، بعد خطفها. لم يكن العسكر على استعداد للقبول بالتوازن الجديد الذي اراد «الاخوان» فرضه على حسابهم أوّلا. استغلوا النقمة الشعبية على الرئيس محمد مرسي الذي كان مجرّد واجهة فاشلة لـ «الاخوان» لا أكثر.
لم يكن في استطاعة المؤسسة العسكرية المصرية استغلال هذه النقمة الشعبية الى أبعد حدود لو لم يكن هناك تحرك شعبي حقيقي ضدّ مرسي و«الاخوان». انه دور جديد للمؤسسة العسكرية المصرية تلعبه من منطلق انحيازها الى الشعب المصري أوّلا واخيرا.
يبدو واضحا أن المؤسسة العسكرية ما كانت لتقدم على ما اقدمت عليه وتعيّن رئيس المحكمة الدستورية رئيسا موقتا بعد تعليق العمل بدستور «الاخوان»، لولا الغطاء الشعبي. ما لا يمكن تجاهله أنّ مصر شهدت أكبر تظاهرات في تاريخها الحديث ردّا على فشل «الاخوان» في ادارة شؤون البلاد، من جهة وسعيهم من جهة اخرى الى اقامة دولة على قياسهم. تشبه هذه الدولة الى حدّ كبير تجربة الدولة التي اقامتها حركة «حماس» في غزة...في غياب القدرة على تكرار التجربة الايرانية في أرض الكنانة.
كان ردّ الشعب المصري العظيم صاعقا على محاولة نقل تجربة غزّة الى بلد عريق اسمه مصر. كلّ ما في الامر انّ الشعب المصري رفض رفضا قاطعا الغاء مصر، خصوصا أنّ الايّام اثبتت أنّ ليس لدى «الاخوان» أيّ مشروع سياسي أو اقتصادي وأنّ مرسي ليس أكثر من ممثّل فاشل لم يحسن لعب الدور المطلوب منه أن يلعبه.
على هامش ما شهدته مصر لا بدّ من ملاحظتين. الملاحظة الاولى أن الشعب المصري لا يزال قادرا على التمييز بين الحق والباطل، بين الممثلين الفاشلين مثل محمد مرسي والوطنيين الحقيقيين، أي شباب الثورة التي خطفها «الاخوان المسلمين».
الملاحظة الاخرى أنّ هناك وعيا عربيا لاهمية ما تشهده مصر. لذلك لم يتردد خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز في اتخاذ موقف مؤيد للثورة الثانية في مصر، أي للثورة على الثورة التي استولى عليها «الاخوان» من دون وجه حقّ. انها احدى المرّات النادرة التي تخرج فيها المملكة العربية السعودية عن سياستها المحافظة التي تقوم على الانتظار والحذر.
كذلك لا بدّ من الاشارة الى الموقف الشجاع الذي اتخذته دولة الامارات العربية المتحدة عبر وزير الخارجية الشيخ عبدالله بن زايد الذي لم يتردد في التعبير عن موقف صريح مؤيد للتخلص من حكم «الاخوان» لمصر التي لا تزال، الى اشعار آخر، «امّ الدنيا».
أماّ الاردن، فكان واضحاً في ابداء ارتياحه للتحوّل المصري. ففي الاردن، ملك اسمه عبدالله الثاني لم يخف يوما موقفه الواضح من «الاخوان المسلمين» ومن شبقهم الى السلطة ولا شيء غير السلطة من منطلق أن الانتخابات، بالنسبة اليهم، ليست سوى وسيلة لتحقيق غايتهم. بعد ذلك ألف سلام وسلام على صناديق الاقتراع وكلّ ما له علاقة بالتعددية السياسية والممارسات الديموقراطية.
ما يمكن استخلاصه من الثورة الثانية في مصر أن شعبها لم يستسلم بعد للتخلّف الذي يمثله «الاخوان المسلمين» أفضل تمثيل. الدليل على ذلك أن عزل مرسي جاء بمباركة من شيخ الازهر وبابا الاقباط. هذا ليس حدثا عابرا بمقدار ما أنه دليل على رغبة في الانتقال الى مرحلة جديدة تستعيد فيها مصر مكانتها وتتصالح قبل كلّ شيء مع شعبها ومع تاريخها.
هل هذا ممكن أم أن حجم المشاكل المصرية، خصوصا في ضوء النمو السكّاني، لم تعد قابلة للحل؟ الامر الوحيد الثابت أن هناك فسحة امل لمصر. ما يسمح بالقول أنّ هذه الفسحة موجودة، نزول الملايين الى الشارع لرفض اقامة دولة على قياس «الاخوان المسلمين»، على رأسها شخص مثل محمّد مرسي لا علاقة له من قريب أو بعيد بمصر الحضارة.
هل من علاقة بين مرسي، وهو رمز «اخواني»، بأي نشاط حضاري مصري بدءا بالسينما وانتهاء بالغناء والفنّ والعلم والادب وكلّ ما كانت مصر تصدّره للعالم العربي؟
ثارت مصر على التخلّف الذي بدأ مع الانقلاب العسكري في 1952 عندما بدأ الريف ينتقم تدريجا من المدينة. هل لا يزال هناك مجال لوقف هذه العجلة التي كان «الاخوان المسلمين» على استعداد للمضي فيها الى النهاية بغية اقامة دولة يسهل عليهم التحكم بمقاليدها ومفاصلها اشباعا لجوعهم الى السلطة ولا شيء آخر غير السلطة؟