بروفايل / عبدالحليم حافظ شدا الرومانسية حزيناً ومتفائلاًَ
«العندليب الأسمر»... غرّد ألماً بعشرات الأغاني والقصص العاطفية
1 يناير 1970
05:55 م
| إعداد - رشا فكري |
في قرية الحلوات التابعة لمركز الابراهيمية محافظة الشرقية في مصر؛ أبصر «العندليب الأسمر» عبدالحليم علي شبانة النور في (21 يونيو 1929 ) فكان أصغر** أفراد عائلته التي ضمت إخوته إسماعيل ومحمد وعلية، ولم تمض أيام على ولادته حتى رحلت أمه، وقبل أن يتم عامه الأول توفي والده ليعيش اليتم في بيت خاله الحاج متولي عماشة.
اعتاد العندليب الصغير اللعب مع أولاد عمه في ترعة القرية، ومنها انتقل إليه مرض البلهارسيا الذي دمر حياته، وقد قال مرة أنا ابن القدر، وقد أجرى خلال حياته إحدى وستين عملية جراحية.
وخلال فترة تواجده في المدرسة تجلى حبه للموسيقى حتى أصبح رئيسا لفرقة الأناشيد في مدرسته، ومن حينها وهو يحاول الدخول لمجال الغناء لشدة ولعه به.
بداياته
التحق عبدالحليم بمعهد الموسيقى العربية قسم التلحين عام 1943 حين التقى بالفنان كمال الطويل وكان العندليب طالبا في قسم تلحين، وكمال في قسم الغناء والأصوات، درسا معا في المعهد حتى تخرجهما عام 1948 ورشح للسفر في بعثة حكومية إلى الخارج لكنه ألغى سفره وعمل 4 سنوات مدرساً للموسيقى في طنطا ثم الزقازيق وأخيرا بالقاهرة، ثم قدم استقالته من التدريس والتحق بعدها بفرقه الإذاعة الموسيقية عازفا على آله الأبوا عام 1950.
تقابل مع صديق ورفيق العمر الأستاذ مجدي العمروسي في 1951 في بيت مدير الإذاعة في ذلك الوقت الإذاعي فهمي عمر. اكتشف العندليب الأسمر شبانة الإذاعي الكبير حافظ عبدالوهاب الذي سمح له باستخدام اسمه «حافظ» بدلا من شبانة.
وفقاً لبعض المصادر فإن عبدالحليم أُجيز في الإذاعة بعد أن قدم قصيدة «لقاء» كلمات صلاح عبدالصبور، ولحن كمال الطويل عام 1951، في حين ترى مصادر أخرى أن إجازته كانت في عام 1952 بعد أن قدم أغنية «يا حلو يا اسمر» كلمات سمير محجوب، وألحان محمد الموجي، وعموماً فإن هناك اتفاقاً أنه غنى (صافيني مرة) كلمات سمير محجوب، وألحان محمد الموجي في أغسطس عام 1952 ورفضتها الجماهير من أول وهلة فلم يكن الناس على استعداد لتلقي هذا النوع من الغناء الجديد.
ولكنه أعاد غناء «صافيني مرة» في يونيو عام 1953، يوم إعلان الجمهورية، وحققت نجاحاً كبيراً، ثم قدم أغنية «على قد الشوق» كلمات محمد علي أحمد، وألحان كمال الطويل في يوليو عام 1954، وحققت نجاحاً ساحقاً، ثم أعاد تقديمها في فيلم «لحن الوفاء» عام 1955، ومع تعاظم نجاحه لُقب بالعندليب الأسمر. وامتدت هذه الفترة من إجازته في الإذاعة عام 1951 بعد تقديمه قصيدة «لقاء» من كلمات صلاح عبدالصبور وألحان كمال الطويل، حتى بدء تصويره أول أفلامه «لحن الوفاء» عام 1955، ولم تكن أعراض مرض البلهارسيا قد تفاقمت لديه.
وقدّم في تلك الفترة أن عدداً كبيراً من الأغاني تحوي نبرة من التفاؤل مثل: «ذلك عيد الندى»، «أقبل الصباح»، «مركب الأحلام»، «في سكون الليل»، «فرحتنا يا هنانا»، «العيون بتناجيك»، «غني...غني»، «الليل أنوار وسمر»، «نسيم الفجرية»، «ريح دمعك»، «اصحى وقوم»، «الدنيا كلها».
كما تحدثت بعض هذه الأغاني عن الطبيعة الجميلة، مثل: «الأصيل الذهبي»، «هل الربيع»، «الأصيل». كما تتناول بعض الأغاني العاطفية ذكر الطبيعة الجميلة في إطار عشق الإنسان لكل ما هو جميل مثل «ربما»، «في سكون الليل»، «القرنفل»، «حبيبي ف عنيه»، «صحبة الورد»، «ربيع شاعر»، «الجدول»، «إنت ِإلهام جديد»، «هنا روض غرامنا»، «فات الربيع».
لكن مع تفاقم مرض البلهارسيا لديه بدءاً من عام 1956، نلاحظ أن نبرة التفاؤل بدأت تختفي من أغانيه تدريجياً، وتحل محلها نبرة الحزن في أغانيه.
استمرار التألق
تعاون مع محمد الموجي وكمال الطويل ثم بليغ حمدي، كما أنه له أغاني شهيرة من ألحان موسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب مثل: (أهواك، نبتدي منين الحكاية، فاتت جنبنا)، ثم أكمل الثنائي (حليم - بليغ) بالاشتراك مع الشاعر المصري المعروف محمد حمزة أفضل الأغاني العربية من أبرزها: زي الهوا، سواح، حاول تفتكرني، أي دمعة حزن لا، موعود وغيرها من الأغاني.
وقد غنى للشاعر الكبير نزار قباني أغنية قارئة الفنجان ورسالة من تحت الماء والتي لحنها الموسيقار محمد الموجي.
بعد حرب 1967 غنى في حفلته التاريخية أمام 8 آلاف شخص في قاعة ألبرت هول في لندن لصالح المجهود الحربى لإزالة آثار العدوان. وقد قدم عبدالحليم في هذا الحفل أغنية المسيح، كلمات عبدالرحمن الأبنودي وألحان بليغ حمدي، وغنى في الحفل نفسه أغنية عدى النهار، وهي أيضاً للأبنودي وبليغ، وهي واحدة من أبرز أغاني حفلات عبدالحليم على مدار تاريخه الطويل.
كان عبدالحليم يحلم بتقديم قصة «لا» للكاتب الكبير مصطفى أمين على شاشة السينما ورشح نجلاء فتحي لبطولتها ولكن القدر لم يمهله. وقدم 3 برامج غنائية هي: «فتاة النيل» للشاعر أحمد مخيمر وألحان محمد الموجي وإخراج كامل يوسف و«معروف الاسكافي» للشاعر إبراهيم رجب وألحان عبدالحليم علي وإخراج عثمان أباظة، «وفاء» للشاعر مصطفى عبدالرحمن وألحان حسين جنيد وإخراج إسماعيل عبدالمجيد.
العندليب كان يتشاءم من نباح الكلاب الحزين، وكان يتفاءل بالقطط ويعلق صورها في شقته.
الأغاني
قدم عبدالحليم أكثر من مئتين وثلاثين أغنية، امتازت بالصدق، والإحساس، والعاطفة، وقد قام مجدي العمروسي، صديق عبدالحليم حافظ، بجمع أغانيه في كتاب أطلق عليه « كراسة الحب والوطنية...السجل الكامل لكل ما غناه العندليب الأسمر عبدالحليم حافظ « تضمنت غالبية ما غنى عبدالحليم حافظ. وما يلي هو جزء من أغانيه.
الحياة العاطفية
قدم الدكتور هشام عيسى صديق عبدالحليم شهادة عن نساء في حياة عبدالحليم في كتابه «حليم وأنا» الصادر عن دار الشروق ليكشف كم الأكاذيب بأن عبدالحليم لم يكن يستطيع إقامة علاقات عاطفية مع النساء وأن مرضه أثر عليه في ذلك، معتبراً أن هذا غير معقول بالمرة، فلا يعقل لمن تغنى بالحب والمرأة أن تخلو حياته من تجارب حقيقية مع نساء حقيقيات ولسن من دخان، لكن الغريب أن عبدالحليم حافظ كان يبحث عن سعاد حسني في كل امرأة قابلها.
وأضاف عيسى: «حين أحب سعاد لم تكن حالته قد ساءت إلى ذلك الحد، ولقد كانت سعاد هي الحب الحقيقي في حياته وهي المرة الوحيدة التي استقامت رغبته مع قراره بالزواج بعد ذلك، كانت له عشرات التجارب في الحب، ولقد تميزت هذه القصص بتناقض عجيب لم يكن حليم كاذبا وهو يعيش كل قصة منها، بل يستغرق فيها بكل ذاته ويعبر عنها في أغنية يتفق غناؤها مع التجربة وفي قرارة نفسه كان يعلم أن شيئا لن يتم في النهاية فلن يكون هناك زواج أو دوام للعلاقة، كان حليم يتنقل كثيراً، وأكاد أقول إنه كان يبحث في كل مرة عن سعاد حسني أخرى، وأجزم أيضا بأن كلا منهن كانت تحمل في داخلها شيئا من سعاد».
وتابع: «لقد أفاض الكثير ممن كتبوا عن حليم أو ألفوا فيلما أو مسلسلا عن تجربة السيدة المتزوجة التي عشقها وادعوا أن الزواج منها لم يتم بسبب موتها، قصة بها من الخيال ما يفوق الواقع بكثير، لقد طافت هذه التجربة بحياته، فالسيدة حقيقية ونعلم جميعا اسمها ونعلم أنها كانت على درجة كبيرة من الجمال، وكانت متزوجة لهذا كان الزواج منها مستحيلا طوال الوقت، وعندما ماتت بمرض في المخ وهي بعد شابة حزن حليم وعاش الدراما لدرجة التصديق وقال إنه غني لها «بتلوموني ليه»، واقتصر الأمر على ذلك رغم كل ما أحاطه بالقصة وما بالغ فيه خيال المؤلفين، لم تنقطع محاولات حليم وتجاربه بعد ذلك، وأخذ يجوب الآفاق بحثا عن رفيقة الدرب.
«وفي مصر كما في كل بلد تعود حليم أن يسافر إليه كانت له قصة حب عاشها زمنا طال أم قصر، ثم يختمها الفراق». وعلى شاطئ العجمي أحب حليم فتاة في عمر الزهور، لم تكن شغوفة به في البداية، ولكن ذلك كان آخر ما يمكن أن يعوق حليم بأسلوبه الرقيق الساحر وشخصيته الآسرة عن هدفه، فوقعت في حبه، وخطر لـ «حليم» أن يعيد تجربة الزواج هذه المرة معها، وقد خطبها فعلا وحضرت هذه الواقعة بنفسي. كانت هذه هي إحدى المرات القليلة التي اقترب بها الحلم من التحقيق، ولكن كالعادة تبخر المشروع كالدخان».
«وفي بيروت أحبته سيدة من زهرات المجتمع اللبناني، وحينما كان يسافر إلى هناك كانت تشغل كل أوقاته، وكان لحليم منزل في حي الرملة البيضاء في بيروت، كانت هذه السيدة تعنى بكل شؤون هذا المنزل في غيابه، أما منزل هذه السيدة فكان أحد أكبر الصالونات الاجتماعية في بيروت يلتقي فيه نجوم المجتمع اللبناني من فنانين وشعراء وصحافيين وسياسيين، ويقضي فيه حليم أوقاتاً ممتعة».
«وفي لندن أحب فتاة عربية كانت تعمل هناك في سفارة بلدها وهي سيدة جميلة ومثقفة أحبها حباً عميقاً ورأيتها في إحدى المرات تبكي ربما كانت قد أدركت بذكائها أن ذلك الحب لن يطول. وفي نيويورك تعرف حليم على امرأة فاتنة ورغم أنها أميركية فقد كانت تجهل الكثير عن المدينة الصاخبة، فقد عاشت حياتها في لوس أنجليس حيث عملت بالتمثيل في هوليوود في أدوار ثانوية ثم عشقها أحد جنرالات أميركا اللاتينية وصحبها إلى بلده حيث بقيت هناك زمناً وكان الجنرال متزوجاً واضطرتها الظروف إلى الهرب منه بعد أن طاردتها أجهزة الأمن هناك، وقد تبعته هذه السيدة إلى لندن ثم إلى القاهرة وغادرتها بعد ذلك إلى الأبد».
واستطرد الدكتور عيسى: «قصدت أن أذكر هذه التجارب دون أن أخوض كثيراً في تفاصيلها فلم يكن الغرض هو الإثارة كما لم يكن هدفي أن أظهر حليم بصورة «زير النساء» الذي يعشق التنقل بينهن فذلك أبعد ما يكون عن الحقيقة، أردت فقط أن أبين نمط حياته الغريب فكما فعل ديوجين الفيلسوف الإغريقي الذي عاش في أثينا 320 عاما قبل الميلاد، وأخذ يطوف شوارعها نهارا وهو يحمل مصباحا يبحث عن الرجل الشريف، كذلك فعل حليم، بيد أنه كان يجوب العالم حاملاً قلبه المشتعل علَّه ينير له طريقا إلى الحب والسعادة، لم تكن تجاربه في الحب مغامرات عابث بل محاولات يائسة يدفعها شعور باهر متدفق للبحث عن النعيم المفقود».
أما السيدة جيهان اخت الفنانة الراحلة سعاد حسني من ناحية الأم فكشفت أن لديها أكثر من 20 رسالة عاطفية متبادلة بين عبدالحليم حافظ وسعاد حسني وايضا بعض الخواطر التي كتبتها سعاد عن علاقتها بعبدالحليم ولماذا كان هذا يفضل عدم الاعلان عن زواجهما.
المعروف ان زواج عبدالحليم حافظ من سعاد حسني ظل مجرد شائعة ترددت في منتصف الستينات، وكشفته سعاد قبل وفاتها بعشر سنوات، بينما نفاه كل من ورثة عبدالحليم حافظ وصديقه مجدي العمروسي لكن الموسيقار الراحل كمال الطويل أكده.
وفي آخر مذكرات نشرها طبيب سعاد حسني الخاص، الذي التقت به في لندن، أكد على لسانها انها تزوجت من عبدالحليم، ولكن إلى الان تظل حقيقة زواج عبدالحليم وسعاد حسني مجهولة ولا يسبق لكل منهما أن صرح بذلك شخصيا ولكن حقيقة زواجهما قد دفنت معهما.
التراث المجهول
رغم الشهرة الكبيرة التي يتمتع بها عبدالحليم حافظ، لكن هناك عدداً كبيراً من أغانيه لا يعرفها كثير من الناس، والسبب الحقيقي لهذا هو ان هذا الانتاج الإذاعي لا تتم اذاعته وهو مملوك للاذاعة المصرية مثل بقية انتاجه وهذا السبب نتج عنه شيء من الندرة وتم الاعتقاد أنه تراث مجهول ولكنه معلوم لكثير من المؤرخين والاذاعيين المصريين المخضرمين، وإذا حسبنا عدد الأغاني التي قدمها في الأفلام سواء بالصوت، والصورة، أم بالصوت فقط، إضافة إلى الأغاني المصورة في التلفزيون، نجد أن عددها يمكن أن يصل إلى 112 أغنية تقريباً، وهذا العدد لا يكاد يشكل نصف عدد أغانيه البالغة حوالي 231 أغنية فى المتوسط، كما أننا لم نأخذ في الحسبان الأغاني التي هي بحوزة بعض أصدقاء عبدالحليم، والتي هي غير متاحة للتداول التجاري.
عام السينما
في عام 1955 شهد عرض أربعة أفلام كاملة للعندليب، فيما وصف بأنه عامه الذهبي سينمائياً، فقد قدم في السينما ستة عشر فيلما سينمائيا.
رحلته مع المرض
أصيب العندليب الأسمر بتليف في الكبد سببه مرض البلهارسيا، وكان هذا التليف سببا في وفاته عام 1977 م، وكانت المرة الأولى التي عرف فيها العندليب الأسمر بهذا المرض كان عام 1956 م عندما أصيب بأول نزيف في المعدة وكان وقتها مدعواً على الإفطار بشهر رمضان لدى صديقه مصطفى العريف.
أما المستشفيات التي رقد فيها بالخارج: مستشفى ابن سينا بالرباط (المغرب)، وفي إنكلترا: مستشفى سان جيمس هيرست، ولندن كلينك، فيرسنج هوم، ومستشفى كنجز كولدج (المستشفى الذي شهد وفاته)، «سالبتريد» (باريس)
كانت له سكرتيرة خاصة هي الآنسة سهير محمد علي وعملت معه منذ 1972 وكانت مرافقته في كل المستشفيات التي رقد فيها أثناء مرضه.
وفاته
توفي عبدالحليم في يوم الأربعاء في 30 مارس 1977 في لندن عن عمر يناهز الثمانية والأربعين عاما، والسبب الأساسي في وفاته هو الدم الملوث الذي نقل إليه حاملا معه «التهاب كبدي فيروسي فيروس سي» الذي تعذر علاجه مع وجود تليف في الكبد ناتج عن إصابته بداء البلهارسيا منذ الصغر كما قد أوضح فحصه في لندن، ولم يكن لذلك المرض علاج وقتها وبينت بعض الآراء أن السبب المباشر في موته هو خدش المنظار الذي أوصل لأمعاه ما أدى إلى النزيف وقد حاول الأطباء منع النزيف بوضع بالون ليبلعه لمنع تسرب الدم ولكن عبدالحليم مات ولم يستطع بلع البالون الطبي.
حزن الجمهور حزنا شديدا حتى أن بعض الفتيات من مصر انتحرن بعد معرفتهن بهذا الخبر. وقد تم تشييع جثمانه في جنازة مهيبة لم تعرف مصر مثلها سوى جنازة الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر والفنانة الراحلة أم كلثوم سواء في عدد المشاركين في الجنازة الذي بلغ أكثر من 2.5 مليون شخص، أو في انفعالات الناس الصادقة وقت التشييع.
قبل رحيله
قبل رحيل حليم بليلة واحدة طلب من مجدي العمروسي اقلاما مبرية وورقا ابيض مسطرا، اعتدل حليم في سريره وكتب خطابا وكان يحرص على كتابة اسم من يراسله بعد الانتهاء من كتابة رسالته حتى إذا فاجأه احد بدخوله ولمح الخطاب فلا يعرف اسم المرسل إليه او اليها.
كتب حليم ثلاثة أسطر ثم تعب وألقى بالقلم الرصاص وربما لآخر مرة أمسك بقلم.