خيرالله خيرالله / عندما يهاجم «إخوان» مصر... المغرب
1 يناير 1970
11:21 م
| خيرالله خيرالله |
يتحدّث «الإخوان المسلمين» في مصر عن معاهدة السلام مع إسرائيل بإيجابية. هذا ليس عيبا. هذا تعاط مع الواقع الذي لا مفرّ منه. فمصر لم تقدم في مارس العام 1979 على خطوة التوصل الى المعاهدة مع إسرائيل، الاّ بعدما أيقنت أن لا مجال لحروب جديدة.
ما يجمع بين انور السادات وحسني مبارك والاخوان المسلمين الذين يحكمون مصر حاليا هو التعاطي الايجابي مع معاهدة السلام. انّها المعاهدة التي نجمت عن الزيارة التاريخية التي قام بها السادات للقدس المحتلة في نوفمبر من العام 1977 وإلقاء خطابه المشهور في الكنيست الإسرائيلية، ثم عن اتفاقي كامب دايفيد اللذين وقعا في خريف العام 1978 بين الرئيس المصري وقتذاك ورئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن بحضور الشاهد الاميركي الرئيس جيمي كارتر.
المعاهدة المصرية - الإسرائيلية تمثّل الاساس. كلّ ما عدا ذلك تفاصيل. تكمن الأهمّية الوحيدة للسياسة التي يتبعها الاخوان حاليا في المحافظة على معاهدة السلام واحترام بنودها بدقة متناهية. لا فارق بين السادات موقع المعاهدة وخليفته حسني مبارك، الذي يصر الاخوان على ابقائه في السجن، والاخوان انفسهم. هؤلاء يريدون اظهار احترامهم للمعاهدة بشكل يومي وذلك بغية المحافظة على العلاقة مع الادارة الاميركية التي تنظر الى مصر من زاوية العلاقة مع إسرائيل أولا... وربّما اخيرا.
العيب كلّ العيب أن يكون بين الاخوان من يسعى الى المتاجرة بالقضية الفلسطينية بغية تحقيق مكاسب أقل ما يمكن ان توصف به انها من النوع الرخيص الذي لم يعد ينطلي على احد، بما في ذلك المصري العادي. يعرف المصري العادي أن لا خيارات أمام مصر- الاخوان سوى التزام المعاهدة من دون اي اسئلة من أي نوع كان. ولكن اكثر ما يعرفه المصري العادي أن المزايدة على هذه الدولة العربية أو تلك في موضوع القدس لا يقدّم ولا يؤخّر ولا يحلّ أيّ مشكلة مصرية، بمقدار ما أنه ادانة للاخوان. انّه ادانة لتنظيم لا همّ له سوى السلطة ولا شيء آخر غير السلطة، حتى لو كان ذلك على حساب كلّ المبادئ والحقائق والحدّ الادنى من التصرّف الاخلاقي.
قبل أيّام، خرج عصام العريان وهو قيادي اخواني في مصر يشغل موقع نائب رئيس حزب الحرية والعدالة التابع للاخوان المسلمين بكلام أقلّ ما يمكن ان يوصف به أنّه مزايدات رخيصة لا اكثر. تحدّث العريان الذي هو ايضا رئيس الهيئة البرلمانية للحزب الاخواني عن «ضعف دور لجنة القدس المنوط بها دراسة الوضع» في المدينة المقدسة، مضيفا أن هذه اللجنة «لم تقدّم شيئا للقضيّة الفلسطينية».
نسي القيادي الاخواني الذي كان يتحدث في اجتماع للجنة الشؤون العربية والخارجية والأمن القومي في مجلس الشورى المصري أن «وكالة بيت المقدس الشريف» التي يشرف الملك محمّد السادس شخصيا على عملها في القدس «مستمرة في تنفيذ مشاريع حيوية لحماية المدينة والمحافظة على موروثها الديني والحضاري ودعم اهلها المرابطين» في وجه الاحتلال الإسرائيلي. ونسي أيضا أن «المملكة المغربية تساهم بنسبة ثمانين في المئة من الدعم المالي المرصود لتلك المشاريع، من دون اي توظيف او متاجرة بالقضية الفلسطينية وبقضية القدس خدمة لأغراض سياسية ومذهبية». وهذا الكلام رسمي وموثّق وصادر عن «وكالة مال بيت المقدس الشريف» نفسها.
لا يحتاج ما قام به المغرب وما زال يقوم به من أجل القدس الى شهادة من أحد، خصوصا من شخصيات لا تعرف شيئا عن القدس باستثناء المتاجرة بها وبقضيتها بدل العمل على استعادتها من الاحتلال. لقد سبق للعريان ان هاجم الاردن أيضا وقد ردّ عليه المسؤولون الاردنيون، بمن فيهم السيد طاهر المصري رئيس مجلس الاعيان وابن نابلس، بما يليق به. فقد تبين أن القيادي الاخواني لا يعرف شيئا لا عن المغرب ولا عن الاردن ولا عن فلسطين. انّه لا يعرف حتى بـ «الجهود المتواصلة التي يبذلها محمّد السادس، بصفته رئيس لجنة القدس، على الصعيد الدولي». لم تخف هذه الجهود على احد، باستثناء الاخوان طبعا، ولذلك اشادت بها كل القمم العربية والاسلامية واشاد بها اصحاب القضية الفلسطينية أنفسهم في كلّ مناسبة. وهذا موثّق ايضا.
ربّما تكمن مشكلة المغرب في أنه لا يمنّ احد عندما يقدم على خطوات تصبّ في خدمة القضية الفلسطينية والقدس. الفارق واضح بين السياسة المغربية وما يرتكبه اشخاص مثل العريان ومن ينتمي الى مدرسته. المغرب يريد عودة الحق الى اصحابه فيما الاخوان يريدون المتاجرة بكلّ ما هو فلسطيني. لو لم يكن الامر كذلك، لما كانت المصالحة الفلسطينية- الفلسطينية تراوح مكانها رغم كلّ ما يقال عن تقدّم تحقق اخيرا بين «فتح» و«حماس» خلال اجتماعات عقدت في القاهرة.
من الواضح، ان المصالحة الفلسطينية المبنية على أسس قوية تعتبر آخر همّ لدى الاخوان. يبدو أن على الاخوان واجباً أن يتصالحوا مع أنفسهم اوّلا، أي ان يتوقّفوا عن اعتماد خطاب مزدوج. بكلام أوضح، لا يستطيع «الإخوان المسلمين»، بغض النظر عن اسمائهم، احترام كلّ نقطة وفاصلة في المعاهدة المصرية- الإسرائيلية وأن يعتمدوا في الوقت ذاته الخطاب السياسي الفارغ لحركة مثل «حماس» هي جزء لا يتجزّأ من تنظيم الاخوان.
بعض الكلام الصريح ضروري بين حين وآخر. ما هو ضروري أكثر توقف الاخوان عن اطلاق الشعارات التي لا تقدّم ولا تؤخر، باستثناء أنها تكشف لعبتهم الحقيقية.
هدف هذه اللعبة ممارسة عملية هروب مستمرّة الى امام ومواصلة المزايدة على هذه الدولة العربية أو تلك، وذلك لتغطية الفشل الاخواني في ايجاد مشروع سياسي واقتصادي واجتماعي قابل للحياة على علاقة ما بما هو حضاري في هذا العالم.