محمد الجمعة / رسائل في زجاجة / القضاء والبلاء

1 يناير 1970 07:09 ص
| محمد الجمعة |

القضاء هو ما حكم به الله سبحانه من أمور خلقه وأوجده في الواقع، وعلى هذا فالإيمان بالقضاء معناه الإيمان بعلم الله الأزلي والإيمان بمشيئة الله النافذة وقدرته الشاملة سبحانه. «وما تشاءون إلا أن يشاء الله» {الإنسان 30}.

ومن قضاء الله أن وزع الأرزاق بين الناس ووزع الدرجات بين الخلق فهو يعز من يشاء ويذل من يشاء سبحانه... وجعل بيننا الخادم والمخدوم والرئيس والمرؤوس، هذا قضاء الله وحكمه بين الناس ومنا الاسود والابيض ولكن خيرنا أتقانا.

وجعل الله أيضاً البلاء والابتلاء في عباده. فقضاء الله أن جعل لك خادماً بالبيت يخدمك ويرعاك ويسهر على راحتك ويحرس أموالك، فيقوم البعض منا بإيذائه وضربه وشتمه وسبه فهذا ابتلاء من الله لهذا الخادم، فكيف يرد هذا الخادم هذا الابتلاء والبلاء؟ يرده بالدعاء عليك بينه وبين نفسه، نرى كثيراً من أرباب العمل يسيء معاملة الخدم، وحتى بعض أصحاب الشركات فإنهم يسيئون معاملة موظفيهم بالسب والشتم أو تحميلهم من الأعمال ما لا يستطيعون. فبقضاء الله جعلك صاحب شركة أو ذا مال وجاه ونفوذ وسطوة، ليس لأنك أفضل من غيرك ولكن ليبتليك الله في هذا المال ويختبرك، وجعل لديك من يخدمك بدلاً من أن يجعلك أنت الخادم... فالمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده. ومن هذا التعدي ايضاً؛ التعدي على الأموال العامة، كما نراه الآن من تكسير المرافق العامة من قبل بعض الصبية وهي مسؤولية اولياء الامور وسوء تربيتهم لأبنائهم، والتعدي أيضاً على المال العام وهي قضية مهمة وجسيمة والحكومة شريكة فيها، كمن يجلس في البيت ويتقاضى راتباً من دون عمل وإذا سألته قال المدير أو المسؤول سمح بذلك، أليس هذا حراماً؟، أليس هذا المال وهو المال العام لجميع المواطنين؟، وإذا قلت لهذا الموظف إن ما تأخذه حرام لرد عليك «الناس تسرق الآلاف والملايين وانا المئة والمئتين حرام؟».

إذا كان هذا المال للمدير أو المسؤول فله ذلك. ولكنه مال جميع المواطنين لأنه مال عام، إن كل دينار أو درهم تأخذه من دون وجه حق فإنه في النار... الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول «شيراك (خيط نعال) من نار أو شيراكين من نار». أي دلالة على أن أي مبلغ صغيراً كان او كبيراً لا يجوز أخذه من دون وجه حق.

وقد رأينا بعض الناس يأخذ الرشوة، والبعض الآخر من الوقاحة يطلبها لنفسه لأداء عمل معين، والآن أصبحت تحت غطاء الهدايا، وهي كلها رشاوى تضر بالمجتمع ولذلك حرمها الإسلام، فهل لو جلس في بيت أبيه أو في بيت أمه فهل يهدى له؟ فما يأخذه الإنسان من رشاوى والتي تسمى الآن بالهدايا لا يأتي صاحبها يوم القيامة الا وهو يحملها على رقبته امام الناس.

هذا البلاء الذي سلطه الله علينا في هذا الزمان ألا وهو الفساد كثر حتى أصبح الناس يتساهلون في أكل أموال الناس بالباطل، وقد جاء أحد الولاة الى الخليفة عمر بن عبدالعزيز يوماً يتباحث معه في أمور الولاية، فقام الخليفة عمر بإشعال شمعة حتى يراه، ولما فرغا من الحديث قال الوالي كيف حالك يا أمير المؤمنين؟ وكيف حال الأهل؟ فأطفأ الشمعة.! فقال الوالي لما أطفأت الشمعة؟ فقال أمير المؤمنين «الشمعة من مال المسلمين فلما أضأتها كان الحديث يخص احوال المسلمين ولكن عندما اصبح الحديث يخص احوالي فما يحق لي ان استخدم اموال المسلمين في ما يخصني، حتى لو كانت شمعة بسيطة لا قيمة لها».

هكذا تزدهر الدول وهكذا كانت عظمة الاسلام والمسلمين حين وصلوا الى جبال الالب وفرنسا واسبانيا وشرق اسيا، اما حالنا الان من التردي وسوء الاحوال جاء من التساهل في اخذ الاموال بالباطل، وعدم وجود العدالة والمساواة في الحقوق والواجبات وهذا ما اثار الشعوب العربية فاندلعت ما بات يعرف بثورات «الربيع العربي» واحترق الاخضر واليابس وزاد البلاء وارتفعت الايدي بالدعاء.

 



[email protected]

Twitter @7urAljumah