ضوء / سعدي الشيرازي... الشاعر والناثر الذي أحيا الفارسية
1 يناير 1970
07:27 م
| بقلم محمد على آذرشب |
لا تدين اللغة الفارسية بعد الفردوسي لاحد كما تدين لسعدي، فهو استاذ هذه اللغة و نموذج البساطة والايجاز والفصاحة فيها.** واذا كان قد أطلق عليه لقب «أفصح المتكلمين»، فذلك يعود الى تفننه في الكلام، وفصاحته اللغوية التي فاقت اي فصاحة اخري، والي ما لعبه من دور على صعيد احياء اللغة الفارسية واعادة الحيوية اليها بعد فترة مظلمة عاشتها متخبطة في ظل التكرار الممل، والتقليد المشين، والتعابير الهابطة علي يد شعراء وكتّاب حرفيين في التقليد.
وكان القدماء يطلقون على الشعراء من الالقاب والعناوين بما يتناسب ومكانتهم الشعرية وابداعاتهم على صعيد الشعر واللغة. ولهذا ليس غريبا ان تنسب فصاحة الكلام الى سعدي بعد ان نفخ في لغة الادب والشعر الحياة وقدمها في صورة جميلة رائعة أخذت تجتذب الناس وتسحرهم على شتي مستوياتهم، كما ليس غريبا» ايضا ان يلقب الشاعر حافظ بـ «لسان الغيب وجامي بـ «خاتم الشعراء» والفردوسي بـ «الحكيم».
واذا ما تجاوزنا هذا اللقب الذي اضفاه الناقدون علي سعدي في ايام حياته، فان اي شيء آخر عن سعدي غير واضح تماما»، وهناك ضباب كثيف وتناقضات عجيبة تلفّ حياته، بما فيها اسمه وكنيته ولقبه.
ورغم هذا فقدا عتمدت المصادر المتأخرة آخر المطاف على رواية ابن الفوطي الذي عاصر سعدي وكاتبه، حيث اورد ان اسمه مصلح الدين، وكنيته ابو محمد، ولقبه مشرف الدين او شرف الدين، وتخلصه سعدي.
وهناك اختلاف كبير ايضا في تاريخ ولادته، فمنهم من يقول انه ولد في عام 606 هـ، ومنهم من يعتقد انه ولد في عام 585 هـ فضلا عن وجود تكهنات عديدة اخرى على هذا الصعيد، ولا تتوفر شواهد وادلة معتبرة تدلل على العام الذي ولد فيه هذا الشاعر الكبير، وكل ما هو موجود من الادلة التي يطرحها المخمنون لايتجاوز مجموعة من الحكايات والاساطير التي لا يمكن الاعتماد عليها.
ويعتمد القائلون بأنه ولد عام 606 هـ على ما يستنبطون من بعض ابياته الشعرية. كما ان القائمين بولادته قبل عام 600 هـ يستندون في ذلك علي احدى القصص الواردة في الباب الخامس من ديوان سعدي المسمى «غلستان» او مزرعة الورد.
كما يقول آخرون ان سعدي كان له من العمر 70 سنة عندما الف ديوان الـ «بوستان» او البستان، اعتمادا على بيت شعري له يقول:
تعال يا من بلغ عمرك السبعين
فهل ضيّعته بنومك ويضيف هؤلاء: كما كان سعدي قد فرغ من تأليف هذا الكتاب عام 655 هـ، فلا بدان يكون قد ولد في حدود عام 585هـ. وكان الباحث محيط الطباطبائي من بين من يقول بهذا الرأي.
والغريب ان اغلب المخمنين لسنة ميلاد سعدي،يعتمدون علي آثاره في تخميناتهم، الاّ انهم يصلون الى نتائج متفاوتة وغير منسجمة.
تبلور شخصيته الادبية
تشير الادلة التاريخية ان ايران لم تمر بمرحلة اسوأ من المرحلة التي كان يعيش فيها سعدي.فقد عاش سعدي في ايام الغزو المغولي لايران، وشهد عن كثب ما كان يرتكبه هؤلاء من اعمال قتل ومجازر وتخريب للمدن واحراق للبيوت والمكتبات، واشاعة الرعب والهلع بين الناس.
امضى سعدي طفولته وصباه في ايام «الاتابك سعد بن زنكي»، وكان حاكما على فارس حتى نهاية عمره، اي حتى عام 623 هـ. وسافر سعدي قبل وفاته الى بغداد طلبا» للعلم نظراً لما كانت تتمتع به من مكانة علمية وما يقيم فيها من علماء ومفكرين كبار. ودخل الى المدرسة النظامية ببغداد التي كانت جامعتها العلمية والفكرية، فتبلورت شخصيته فيها على كافة الاصعدة بما فيها الصعيد الادبي ولا سيما الشعري.
اسلوبه الشعري
بشكل عام فان لهجة سعدي في قصائده، خطابية وأمرية وحادة، الا انها في البوستان هادئة وأبوية وعاطفية، الا انها بشكل عام واثقة وواضحة وصريحة وخالية من التضرع و التوسل. وهذه الميزات هي التي تدفع القارئ للاقبال على شعره ونثره دون ان يشعر بالسأم والضجر. يقول سعدي في صراحة اللهجة: «قائل الحق يجب ان يكون لسانه طويلا»، اليس حقا «ما قلت؟ اذا كان، قل نعم انني اقول لك بما يشترطه عليّ البلاغ وأنت مخيّر بين الانتصاح و السأم.»
والنقطة المهمة في شعر سعدي انه تمكن من ازاحة الفاصل الذي كان قائما بين اللغة الفارسية ولغة التعبير لدى القارئ والسامع. ونلاحظ هذا الفاصل بشكل واضح في شعر الشعراء الآخرين، مما يدل على انهم كانوا ينظرون الى اللغة من بعيد. اما شعر سعدي فقد شدّ القاريء اليه بقوة الالقاء وسحر الكلام وسلاسته، حتى انه لا يكاد يجد صعوبة في تفهم هذا الشعر، بل ويتفاعل معه وكأنه صادر من قلبه.
ففي الفترة التي كانت فيها كتب النثر والشعر الفارسي، تحرق على يد المغول او تدفن تحت الانقاض، كان ظهور سعدي بمثابة معجزة للغة الفارسية. فقد احيا بشعره ونثره هذه اللغة، وخلق لغة ادبية جديدة اصبحت معياراً من بعده للادباء و الشعراء.