خيرالله خيرالله / عن رجل شجاع اسمه نهيان بن مبارك
1 يناير 1970
10:48 م
| خيرالله خيرالله |
هناك نوعان من الدول في المنطقة. هناك من يستثمر في المستقبل وهناك من يصرّ على البقاء في أسر الماضي... حتى لو كان ذلك يعني البقاء في اسر التزمت الديني والمذهبي والعرقي. مثل هذه الدول تتحكم بها انظمة معيّنة تعتقد ان هناك مسلمات لا يمكن المسّ بها وذلك خشية اثارة المؤسسات المتخلفة، وهي دينية وغير دينية، تدعم كلّ ما من شأنه جعل المواطن عاجزا عن التعاطي مع ما يدور في العالم.
الأهمّ من ذلك كله ان رهان الحكام في مثل هذه الدول هو على ابقاء الشعب جاهلا وتابعا للغرائز التي تتحكم به، خصوصا الغرائز الدينية التي ليست سوى رديف للجهل، وذلك بغية تسهيل عملية التحكّم به.
ينسى هؤلاء الحكام، او يتجاهلون عن سابق تصوّر وتصميم، ان العالم يشهد حاليا تطورات سمحت بحصول الثورة التكنولوجية التي تجتاح القارات الخمس، فيما العرب في معظمهم يتفرّجون.
هل مسموح للعربي الوقوف موقف المتفرّج فتفوته المشاركة في الثورة التكنولوجية، او حتى الاستفادة منها، تماما كما حصل ابان الثورة الصناعية التي غيّرت وجه العالم، خصوصا أوروبا ومجتمعاتها وبشّرت بعصر النهضة؟ الملفت أنّه لم تكن للعرب يوما اي علاقة بالثورة الصناعية لا من قريب ولا بعيد. هذا المشهد يتكرر حاليا مع الثورة التكنولوجية حيث غياب كلّ سنة عن الانضمام اليها، يزيد الهوة القائمة بين العالم والمجتمعات العربية ما يزيد على عشر سنوات... في أقلّ تقدير.
من حسن الحظ أنّ هناك بين العرب من لا يزال يؤمن بأن لا مجال لإضاعة الوقت. من بين هؤلاء، المسؤولون في دولة الامارات العربية المتحدة الذين يمتلكون جرأة قول كلام، مقرون بافعال، لا يقوله غيرهم. مثل هذا الكلام المقرون بالأفعال لا يتجرأ كثيرون الى التطرق إليه نظرا الى انه يسمي الاشياء بأسمائها.
لعلّ أفضل من يعبر عن هذا الاتجاه، الهادف الى ردم الهوة مع الثورة التكنولوجية، الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان الذي كان الى ما قبل ايّام وزيرا للتعليم العالي والبحث العلمي في الإمارات. بقي الشيخ نهيان في هذا الموقع سنوات عدة قبل ان يتولى حديثا حقيبة الثقافة والشباب.
يقول الشيخ نهيان في حديث أجرته معه اخيرا صحيفة «نيويورك تايمز» ونشر في «الهيرالد تريبيون» يوم الاثنين الماضي كلاما لا يمكن المرور عليه مرور الكرام. انه كلام طليعي في غاية الاهمية يشير الى وجود عقلية مختلفة في تلك المنطقة من العالم العربي.
يقول الشيخ نهيان صراحة مثلا ان بلاده تشدد على التعليم باللغة الانكليزية. لا يخشى من قول ان «الامر لا يتعلّق بفقدان الثقة بلغتنا (العربية) التي هي موضع فخر وطني بالنسبة الينا. ولكن على المرء ان يكون واقعيا، هذا عصر اللغة الانكليزية. ان الانتقال الى اللغة الانكليزية سمح لها بالاستعانة بأفضل الاساتذة في العالم وليس فقط في العالم الذي يتكلم العربية».
تطرق الشيخ نهيان الى مستوى التعليم، أي الى مستوى البرامج والى أساتذة من استراليا وبريطانيا والولايات المتحدة يدرّسون في الامارات والى توزيع أربعة عشر ألف جهاز «ايباد» دفعة واحدة في المؤسسات التعليمية الاماراتية من أجل ان يكون الطلاب والهيئة التعليمية متفاعلين مع ما يدور في العالم.
يعترف الشيخ نهيان بالمشكلة الكبرى التي واجهتها الامارات في الماضي والمتمثلة بـ«الاساتذة». يقول ان اعتماد الانكليزية سمح بتجاوز هذه المشكلة «إذ كنا في الماضي مجبرين على الاستعانة بأساتذة لا يمتلكون، بالضرورة، الكفاءة اللازمة من بلدان مثل مصر. الآن، صار في استطاعة الامارات الاتيان بأفضل الاساتذة وتطبيق البرامج الاكثر تطورا».
هناك قيادة واعية تعرف ماذا تريد وماذا لا تريد. ما تريده هو «التركيز على اقامة اقتصاد مبني على المعرفة». هذا ما يقوله الشيخ نهيان مضيفا: «اننا نستثمر في شعبنا الذي سيأخذ اقتصادنا ومجتمعنا الى امام».
وما لا تريده القيادة الاماراتية هو نشر الجهل في أوساط الشعب عن طريق انظمة تربوية بالية تجعل المواطن يقع فريسة الغوغاء عن طريق اساتذة من الاخوان المسلمين، من اشباه الاميين وما شابه ذلك، يرفضون الاعتراف بأن العالم تغيّر وانه يتغيّر بأسرع بكثير مما يتصورون.
على هامش الحوار الذي أجرته «نيويورك تايمز» مع الشيخ نهيان، لا بدّ من الاشارة الى أمرين في غاية الاهمية. الامر الاوّل ان تعلم لغة أجنبية واتقانها يساعدان في امتلاك اللغة العربية بطريقة افضل، بل ان ذلك مصدر غنى لمن يعرف العربية وللغة العربية نفسها. الامر الآخر أنّ صاحب ايّ اختصاص من اي نوع كان، اكان رجل اعمال او مصرفياً أو طبيباً او مهندساً او محاماً، لا يستطيع التقدم من دون امتلاك لغة اجنبية تسمح باجراء مزيد من الابحاث. انها ابحاث في مجالات تهمّ بلدا مثل الامارات كالطاقة والطاقة البديلة وادارة الموارد ومصادر المياه...
لا يختلف اثنان ان الطبيب الذي لا يجري ابحاثا، يظل يراوح مكانه. مع الوقت لا تعود هناك قيمة لشهادته. مثل هذه الابحاث موجودة في اكثريتها الساحقة بالانكليزية. حتى الفرنسيين يحتاجون الى الانكليزية، ولذلك نجدهم يقبلون عليها.
الخيار واضح كلّ الوضوح انه بين التقدم والتخلّف. التقدّم يحتاج اول ما يحتاج الى جرأة الاعتراف بأنّ هناك ما نريد ان نتعلمه من العالم بدل الاستسلام للشعارات والخرافات وترديد اننا اصحاب حضارة مجيدة. نعم، نحن اصحاب حضارة قديمة مجيدة. ولكن ماذا فعلنا عندما جاءت الثورة الصناعية؟ ماذا نفعل الآن في عصر الثورة التكنولوجية؟ هل نكتفي بأن نكون مجرّد متلقّين، ام ننتقل الى الاستثمار في الانسان، اي في التربية والتعليم والبرامج التربوية قبل أيّ شيء آخر؟