| د.مصطفى عطية جمعة |
ديوان «أحلام الغلابة»... هو الديوان الأول للشاعر «حلمي عمر»، وبه يدشّن تجربته الشعرية التي تمتد إلى أكثر من ربع قرن، حيث بدأها خلال سني** الجامعة، مرتبطا بالوطن وقضاياه. لقد خالف الديوان ما هو دارج في الكتب الأولى للمبدعين، فدائما ما يحرص المبدع في كتابه الأول على أن يقدّم نفسه في سنيه الأولى إلى الحياة الأدبية عبر كتاب أو أكثر، حاملا فيه زخم ما سطّرته أنامله في بواكيره الشعرية، وبعضها قد يكون غير ناضج، أو متأثرا بكتابات أخرى، لذا فإن الكتاب الأول هو الحلقة الأضعف لدى غالبية المبدعين؛ إلا أن «حلمي عمر» في ديوانه الأول يخالف المبدعين في أمور عدة ؛ فقد انتظر ما يقرب من ربع قرن حتى يصدر ديوانه، وعندما اختار نصوص ديوانه جعلها متقاربة الهم، تتعاور قضية واحدة وهي قضية الوطن والغربة عنه، فكأنه أراد أن يذيب ذاته في رحم الوطن متبنيا قضاياه، وعلى حد قوله:
عدّيت حروفك يا وطن... ع الإيد
همّا تلاتة ليه أعيد.. وأزيد؟
أجمل حياة لو عشت في عيون الوطن
بس اللي أجمل لو أموت فيه... شهيد!
فقد أصبح الوطن حروفا معدودة، مستخدما المثل البلدي المصري الدال على القلة، ولكنه يعطي دلالة معكوسة بالكثرة هنا، لأن الحروف المعدودة ثلاثة تعبر عن حروف مصر ومن ثم الشهادة في سبيل ثرى الوطن أجمل من الحياة على أرضه. مما يجعلنا نتساءل من الوهلة الأولى : أشعره قاصرٌ على هذا المنحى أم له إبداعات أخرى؟ لاشك أن الإجابة ستكون بالخيار الثاني، بحكم المنطق أولا، فلا يوجد مبدع ينحصر في موضوع بعينه وسط خضم الأفكار والرؤى المتعاركة في نفسه، ولا يقتصر على هم واحد في زخم هموم الذات والحياة، وهذا يعني أنه اختار نصوص الديوان من جماع شعره ليعبّر عن شوقه وعشقه للوطن، فكأننا نقرأ في هذا الديوان نصا واحدا متصلا، كلحن واحد على أوتار متعددة.
ويكون السؤال الثاني: حول سبب إغراق الذات الشاعرة وانتمائها المتجذر للأرض، وكما يقول: يا ست الكون يا حبّابة
وحشتيني... بحبك صورة وكتابة
عرفتيني؟ أنا اللي سافرت في عيونك
حضنتيني... وأنا اللي هاجرت في شجونك
فالوطن معشوق، وأصبح مثل العملة الفضية المستعملة على أرضه فيها: صورة وكتابة، ويكون البناء الجمالي أساسه التساؤل بين الذات الشاعرة والوطن بألفاظ سهلة الدلالة، وإن جاء الجواب مؤنسنا بصورة بليغة تشمل السفر في العيون والهجرة في الشجون.
كل من عاش الغربة وامتدت سنوات العمر به فيها يرى الوطن حلما وعشقا، لحنا وشعرا، يتخلص مما علق في نفسه من ظلم أو قهر، ويظل الوطن نداء مستمرا في أعماقه، يرهف ويشفّ مع اشتداد الغربة، لتصبح النظرة إلى الوطن من بعيد، معمّقة ومؤصلة له في القلب عن قريب. وهذا شأن شعراء الغربة في تعاملهم مع الوطن: تتضاءل ذواتهم، ويتعاظم تعلقهم به.
وربما خدعنا عنوان الديوان: «أحلام الغلابة»، فهو يشي بأن الديوان معبر عن الطبقة الكادحة الفقيرة والمهمشة على أرض الوطن، على غرار ما نجد في شعر حقبة الخمسينات والستينات من القرن العشرين، إلا أن نصوص الديوان تجعلنا سابحين في الشوق للوطن، والتعامل معه بمثالية عالية، أقرب إلى الرومانسية منها إلى التعبير عن هموم الغالبية المطحونة على ثراه وفي ذراه، وإن كنا نتحفظ على عنوان الديوان نظرا لكونه مباشرا مطروقا، إلا أننا نرى أنه يعبر عن حال المغتربين من أبناء الكنانة في المنافي والاغتراب، فعلى أرض الخليج هناك مئات الآلاف من المغتربين من شرائح اجتماعية مختلفة، جاءوا للقمة العيش والأمل في غد مشرق يريح أبناءهم فلا يكررون محنة الآباء، والمغترب دوما يعاني مرّين؛ مرّ الغربة عن الأهل والوطن، ومرّ الإقصاء والتقوقع داخل الذات، يضاف إلى هذا ما نرصده ونحن نرقب ما يحدث على أرض مصر في العقود الأخيرة من ضيم لأهلها، ونهب لثرواتها. وكما صرخ شاعرنا:
ورقة شجر إيه ذنبها... لما تفتح للندى
تيجي الرياح وتذلها...
ورقة شجر إيه ذنبها... لما الربيع يضمها
ويسيب جماله في سحرها
ييجي الخريف.. ويبعتر الخوف ع الملامح
فالمواطن المغترب مثل ورقة الشجر، ضعيفة، رقيقة، تعبث بها الظروف، وتتلاعب بها الفصول، والأشد أن تعاني الخوف.
وربما يشتد تحفظنا من إلحاح الشاعر المتكرر في عناوين قصائده على النزعة المباشرة في الخطاب فيكفي أن نستعرض عناوين من مثل: غربة، غرَبا، معلش يا مصر، قلب انكسر، رحيل، سكة سفر، السنة أولى اغتراب، راجع يا بلدي، سجن الكلام، أحلام شقية، تداعيات مغترب، لنرى أن العنوان كاشف لمضمون النص، فاضح لتجربة الديوان، وغالبا ما يكون مأخوذا من مطلع النص ذاته. كما يستوقفنا تقسيم الشاعر لديوانه إلى قسمين الأول حمل اسم: قصائد قصيرة، والثاني قصائدي، ويكاد القسمان أن يتحدا، فلا فروق دقيقة بينهما، والأفضل أن تأتي القصائد متتالية دون تقسيم لأن عالمها واحد.
بناء النصوص:
جاءت جلُّ النصوص في بناء أقرب إلى المقاطع، فهي أشبه بالزفرات، إما عبر قصائد قصيرة المتن أو قصائد مقطعة مرقّمة، ونطلق عليها زفرات لأن المقاطع القصيرة تشابه زفرات النفس وقت ضيقها، حيث تكتفي ببضع كلمات تعبر عن حالتها. يقول: لما الحلم يبقى عابس
والفراق المر كابس
الغباء يبقى القضية
ويقول: الزمن مخدعش غيري
والقفص ما جمعش طيري
رغم مفتاحه في ايديه
فالزفرة هنا في ثلاث عبارات شعرية، تعبر عن حالة النفس وهي ترى ذاتها قلقة حيرى فاقدة الحلم، مفارقة الوطن، فلا مجال للتفكير، فإن الغباء في فهم القضية يكون عنوانا لها، ونفس الأمر عندما يصبح الزمن/ الحياة مثل القفص، لكن دون طير، ورغم أن الذات تملك مفتاح القفص، فيصبح من العبث تصوّر الحرية، فالسجن موجود والمفتاح بيد السجان ولكن الذات هربت.
ولعل الملمح الأبرز في تجربة الشاعر قدرته على صياغة صورة شعرية مبتكرة ومنتزعة من موروث شعبي أو تعبيرات مستخدمة، يطعّم بها النص جماليا وكما مرّ بنا من شواهد، فهو قادر دائما على تقديم خطاب شعري بجماليات ترتكز على الصورة، وتنحو إلى الوضوح، خاصة إذا كان الهم واحدا.
حتى في قصيدته المهداة لشقيقه الذي عانى الغربة طويلا ثم عاد لأرض الوطن محمولا على الأكتاف، يقول:
كل القصايد غنوتك
كل المحطات غربتك
دخان هواك... أرجوك تعيد الدرس من تاني
مقدرتش أفهم،... الخوف رماني في حضنك الدافي
فالغربة قاتلة، والذهن يستعصي عليه الفهم، فيستعيض بتعبير «أرجوك تعيد الدرس من تاني»، في استخدام لتعبير شائع الاستخدام في المدارس، ولكنه يكتسي بدلالة «المحال» في النص، لأن إعادة الدرس هنا تعني إعادة الحياة لأخيه.
والظاهرة الأبرز في نصوص الديوان أيضا، روح الأغنية، وهذا سبب آخر لبنية المقاطع الغالبة على النصوص، ونرى روح الأغنية في الإمعان الزائد في التقفية والتجنيس، مع صغر المقطع الشعري، وكما يقول:
يا دوامات الغربة... على مهلك
دا اللي يحب البحر... يستهلك
الحلم في عيون الحبيبة غريق
والبحر طايح في العباد... مهلك()
فالغربة « دوامة « تعبير دارج بكثرة في الاستخدام الشعبي، ولكنه اصطبغ بجمال جديد عندما يتركب في صورة ممتدة، أساسها الغربة بحر زاخر بالدوامات وإن صار الحلم غريقا وتحرّك البحر بفعل دواماته ليشتد جبروته.
***
لاشك أن هذا الديوان قدّم صوتا شعريا جديدا، ظن أن الغربة عن الوطن ستخفت نبرته، فاكتشفنا أن النبرة عالية، فكأن الذات الشاعرة في نأيها عن النيل تصرخ لعل صرخاتها تصل للقاطنين على ضفافه. ربما جاءت النبرة مباشرة والخطاب واضحا زاعقا، ولكننا أمام موهبة شعرية، عرفت من إصدارها الأول معنى الهم الجمعي عندما يلتحم بالهم الفردي، ويطغى عليه، فيصبح ما هو جمعي فرديا، وما هو فردي جماعيا.
ولا نملك إلا أن نردد مع شاعرنا:
واه يا آخر الرحلة... فراغ وسكوت
وكشف حساب على المحنة... بعلو الصوت
يا طالع من بنات الحيط... تعلمنا النهاية موت
[email protected]