الأجوبة المفيدة / عن أسئلة العقيدة

1 يناير 1970 10:53 م
|الدكتور وليد العلي|

زاوية نعرض من خلالها لكل ما يعن لقراء «الراي» الأعزاء من أسئلة تتعلق بالعقيدة الاسلامية، وتحتاج الى توضيح وبيان،** يجيب عنها الأستاذ الدكتور وليد محمد عبدالله العلي، امام وخطيب المسجد الكبير، واستاذ العقيدة بكلية الشريعة والدراسات الاسلامية جامعة الكويت.

وللتواصل أرسلوا بأسئلتكم عبر إيميل الجريدة

([email protected]) أو فاكس رقم: (24815921)



الشدة بعد الفرج



إن الشدة لا تزال تتعاقب على المؤمن على مر الأيام والسنين، لكن فرج الله قريب من المؤمنين، وخير شاهد على ذلك ما جاء في محكم الكتاب المبين.

فهذا خليل الله إبراهيم الذي وفى لربه واستسلم له أتم الاستسلام، بعد ان احكمت الشدة عليه قبضتها إحكاماً، أمر الله تعالى النار ان تكون عليه برداً وسلاماً، وهذا يعقوب وابنه يوسف الصديق، قد تجلت في قصتهما حقائق الفرج بعد الضيق، وهذا نبي الله أيوب، قد كشف الله عنه الأضرار والكروب، وهذا يونس صاحب الحوت الذي كان من المسبحين، اجتباه ربه وجعله من الصالحين، وما تكررت قصة موسى عليه السلام في جل السور، الا لتجسد معاني اليسر بعد العسر بأبهى الصور، فهذه بعض صور الفرج بعد الشدة التي اجراها رب العالمين، على صفوة خلقه من الأنبياء والمرسلين، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

ودونكم سيرة النبي (صلى الله عليه وسلم) وأصحابه فما هي عنكم ببعيد، وكيف فرج الله تعالى عنهم الخطب الشديد، فبينما هم قليل مستضعفون في الأرض يخافون ان يتخطفهم الناس، اذ جاءهم نصر الله وفتحه فتدثروا من العزة والتمكين بأزهى اللباس، وهل أتاكم نبأ الإفك والزور، الذي رميت به المتدثرة بثوب العفة والطهور؟ فإن فرج شدتها مسطر في سورة النور، وغير خاف عليكم فرج شدة الثلاثة الذين خلفوا، وقد ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم كما وصفوا، وذكر تفاصيل قصص من جعل الله تعالى له بعد عسر يسراً فيها اطالة، فنكتفي بما سبق من الإشارة اليها والإحالة.

فمن رام الفرج بعد الشدة، فلا بد ان يعد له عدة، فمن ذلك: الاسترجاع عند المصاب، كما جاء في محكم الكتاب: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنْ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُهْتَدُونَ).

ومصداق ذلك الوعد المنيف، ما جاء في الحديث الشريف، الذي أخرجه مسلم في صحيحه من حديث أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله: (إنا لله وإنا إليه راجعون)، اللهم أجرني في مصيبتي، وأخلف لي خيراً منها، إلا أخلف الله له خيراً منها.

قالت: فلما مات أبو سلمة قالت: أي المسلمين خير من أبي سلمة؟ أول بيت هاجر إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ثم إني قلتها، فأخلف الله لي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).

قالت: أرسل إليّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حاطب بن أبي بلتعة يخطبني له، فقلت: إن لي بنتاً وأنا غيور. فقال: أما ابنتها فندعو الله أن يغنيها عنها، وأدعو الله ان يذهب بالغيرة).

ومن اراد ان تفرج عنه الشدة والبلاء: فليتعرف على الله تعالى في الرخاء، ونور مشكاة الاقتباس، يضيء من حديث عبدالله بن عباس، رضي الله عنهما قال: (كنت رديف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: (يا غلام - أو يا غليم - ألا أعلمك كلمات ينفعك الله بهن؟ فقلت: بلى. فقال: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده أمامك، تعرف اليه في الرخاء يعرفك في الشدة، وإذا سألت فسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، قد جف القلم بما هو كائن، فلو أن الخلق كلهم جميعاً ارادوا ان ينفعوك بشيء لم يكتبه الله عليك: لم يقدروا عليه، وإن ارادوا ان يضروك بشيء لم يكتبه الله عليك: لم يقدروا عليه، واعلم ان في الصبر على ما تكره خيراً كثيراً، وان النصر مع الصبر، وان الفرج مع الكرب، وان مع العسر يسرا) اخرجه أحمد.

يا من ابتلاك الله بشدائد الأمور، اصبر واصطبر فنعم العبد الصبور، واعلم ان بعد العسر يسراً وان تفريج الشدة وعد، وأنك لست المنفرد بالبلاء بل في كل واد بنو سعد، وليلهج لسانك بدعوات المكروب، فإنها بإذن الله تعالى سبب في تفريج الكروب، كما اخرج أحمد أبو داود من حديث ابي بكره الثقفي رضي الله عنه قال: قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) (دعوات المكروب: اللهم رحمتك أرجو، فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين، وأصلح لي شأني كله، لا إله إلا أنت).

أيها المكروب، أيها المحزون:

إياك إياك ان يفتر لسانك من دعوة ذي النون، فإنها كلمات تنشرح بها الصدور وتقر بها العيون، فقد اخرج أحمد عن سعد بن أبي وقاص (رضي الله عنه) قال: (مررت بعثمان بن عفان رضوان الله عليه في المسجد فسلمت عليه، فملأ عينيه مني ثم لم يرد علي السلام، فأتيت أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقلت: يا أمير المؤمنين، هل حدث في الإسلام شيء؟ هل حدث في الإسلام شيء؟ فقال عمر: لا، وما ذاك؟ فقال سعد: لا، إلا أني مررت بعثمان آنفاً في المسجد فسلمت عليه، فملأ عينيه مني ثم لم يرد علي السلام. فأرسل عمر إلى عثمان فدعاه، فقال: ما منعك ألا تكون رددت على أخيك السلام؟ فقال عثمان: ما فعلت. فقال سعد: بلى، حتى حلف وحلفت، ثم إن عثمان ذكر فقال: بلى، واستغفر الله وأتوب اليه، إنك مررت بي آنفاً وأنا أحدث نفسي بكلمة سمعتها من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، لا والله، ما ذكرتها قط الا تغشى بصري وقلبي غشاوة. فقال سعد: فأنا أنبئك بها، ان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ذكر لنا أول دعوة ثم جاء أعرابي فشغله، حتى قام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فاتبعته، فلما اشفقت ان يسبقني إلى منزله: ضربت بقدمي الأرض. فالتفت إليّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: من هذا أبو اسحق؟ فقال سعد: نعم يا رسول الله، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): فمه؟ فقال سعد: لا والله، إلا أنك ذكرت لنا أول دعوة، ثم جاء هذا الأعرابي فشغلك. فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (نعم دعوة ذي النون اذ هو في بطن الحوت: لا إله الا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، فإنه لم يدع بها مسلم ربه في شيء قط: الا استجاب له.