علي محمد الفيروز
أكد أكثر من تقرير حقوقي بشأن أوضاع حقوق الإنسان في الكويت أن تلك الحقوق قد تراجعت نسبياً بشكل لافت للنظر نتيجة لتجاوزات إنسانية عدة وعلى رأسها التجاوز على حرية الرأي والتعبير وحرية التجمع السلمي التي استخدمت فيه أدوات القمع والعنف في التعامل مع عدد من الأنشطة السياسية.
وعلى الرغم من صدور القانون رقم 6 لسنة 2010 الخاص بالعمل في القطاع الأهلي والذي وفر للعاملين شروطاً ومعايير وحقوقاً في العمل بشكل أفضل إلا أن المتاجرة بالعمالة الوافدة والتجاوز على حقوقها واستخدام التعسف في التعامل معها لا تزال قائمة وهنا تكمن الخطورة، كما أن أوضاع غير محددي الجنسية «البدون» لا تزال تراوح في مكانها من دون حدوث أي تغييرات عملية واضحة من الحكومة والمجلس رغم الوعود السابقة والحالية بتحديد العدد الكافي للتجنيس في كل سنة، وبالتالي نحن أمام قضية إنسانية لم يتم التعامل معها بشكل مرضٍ رغم إنشاء الحكومة جهازاً مركزياً جديداً لمعالجة أوضاع المقيمين بصورة غير مشروعة برئاسة أحد أعضاء مجلس الأمة السابقين ليكون تابعاً لمجلس الوزراء.
وبدوره، قام الجهاز بدراسة ملف البدون وتقديم مقترحات عدة متوافقة مع الواقع لمعالجة أوضاعهم بشكل نهائي إلا أن الحكومة لم تنته من هذا الملف الشائك خلال السنوات الماضية بصورة نهائية، الأمر الذي اثار جدلاً واسعاً بين الأوساط السياسية، فما زالت هناك تساؤلات عدة حول الإجراءات التنفيذية التي تمكن أفراد فئة البدون من الحصول على حقوقهم في التجنيس وفقاً لبرنامج زمني معين، فضلاً عن إيجاد بدائل موقتة مثل حقوق الإقامة والرعاية الصحية والتعليم العام والحصول على شهادات الميلاد والوفاة وعقود الزواج والطلاق والوصية وحصر الورثة ورخص القيادة من دون تأخير وللجميع، والأهم من ذلك حصولهم على جواز سفر خاص والحق في العمل ومكافأة نهاية الخدمة.
وكذلك تم تركيز التقارير الحقوقية لشؤون الإنسان على التعديلات الحكومية على قانوني المرئي والمسموع والمطبوعات والنشر حيث إنه لا يبشر بنتائج إيجابية من حيث التطور في الحريات بالكويت بل شاهدنا العكس من ذلك حيث يشير إلى توجهات معادية لمبدأ الحريات من خلال تغليظ العقوبات بما في ذلك عقوبة الحبس في مسائل كثيرة تعبر عن الرأي والتعبير، فكانت السنوات الماضية مليئة بالأحداث المؤسفة التي ساعدت على تراجع مستوى الحريات في البلاد سواء بحرية الاجتماع أو حرية التعبير، وقد شهدت البلاد مواجهات واسعة أدت الى استخدام العنف والقوة المفرطة من قبل قوات الأمن لفض اجتماعات «سلمية» مثل ما حدث لبعض دواوين المعارضة والمسيرات السلمية بين المناطق، وهذا بالتأكيد يتعارض مع حقوق التعبير والتجمهر.
ولا شك أن تفسير قانون التجمعات قد شابته عيوب كثيرة من قبل السلطات الأمنية وهو ما يتطلب المراجعة الشاملة والرجوع الى عمل تعديلات من المجلس أو الحكومة على القانون بما يتوافق مع نصوص الدستور والمعاهدات والمواثيق الدولية وبالتالي بحاجة الى قانون متكامل يكون متوافقاً مع حرية التجمع السلمي بعد أن انتقدتها منظمات حقوق الإنسان ومنها «هيومن رايتس ووتش»، فضلاً عن مواجهة عدد من الكتّاب الإعلاميين في جميع القنوات الإعلامية وملاحقتهم قانوناً بصورة غير مسبوقة وصدور أحكام قضائية بحقهم، وهو ما يتطلب حتماً انجاز تعديلات لقانون المرئي والمسموع وقانون الجزاء وذلك لوضع نهاية لكل العقوبات القضائية ذات الصلة ومراجعة نصوص المواد في القوانين لتكون ملائمة مع روح الديموقراطية والقيم الإنسانية وتؤكد حرية الرأي والتعبير للشعب والفرد من دون التعرض لأسلوب الملاحقة والحبس وغيره.
وحينما نتطرق لموضوع حقوق العمالة وكيفية مواكبة القانون الجديد بشأن العمل في القطاع الأهلي معها والذي حل بدلاً من القانون السابق رقم 38 لسنة 1964 بحيث تميز بتطوره بشكل أفضل لأنه وفر شروطاً ميسرة وأعطى حقوقاً إنسانية من حيث الأجور والرواتب فضلاً عن تميزه بمعايير مهمة تتعلق بموضوع الإجازات الدورية والمرضية ومواضيع أخرى تتعلق بالاستغناء عن العاملين من قبل أرباب العمل ولكن في الوقت نفسه لم يلق القانون الجديد الصادر من مجلس الأمة قبولاً كبيراً عند الكويتيين للانخراط في وظائف مؤسسات القطاعين الأهلي والخاص، كما قوبل هذا القانون بتحفظات كبيرة من غرفة تجارة وصناعة الكويت خصوصاً في ما يتعلق بمسألة كلفة العمالة الناتجة وتحديد الحد الأدنى للأجور، وبالتالي نجد أن هناك تساؤلات عدة مهمة حول تراجع شعبية هذا القانون على الرغم من الدعم الحكومي في بعض الجوانب المالية والبدلات والحوافز.
ولكن السؤال هنا: كيف يمكن ضمان حقوق العمالة عبر هذا القانون وسط وجود هذا الكم من التجاوزات في ممارسات أرباب العمل مثل التقاعس عن دفع الأجور والرواتب في مواعيدها من دون تأخير، وكيف نفعّل هذا القانون وسط التعنت في عملية تنازل الكفلاء عن العاملين للسماح لهم بالعمل في مؤسسات أخرى داخل البلاد، فضلاً عن عدم تغيير نظام «الكفيل» والذي يمثل عائقاً كبيراً لعملية حرية تنقّل العمالة الوافدة في التوظيف، وهو ما أدى الى خلق الكثير من المشكلات العمالية يكون سببها الرئيس جبروت أرباب العمل!!
صحيح أن الحكومة تسعى إلى إلغاء نظام الكفيل من خلال إنشاء هيئة عمل تأخذ على عاتقها توفير الاقامة لكل العمالة الوافدة في البلاد إلا أن هذه الخطوة لم تر النور الى يومنا هذا، فالحكومة اليوم مطالبة بتشريع قانون جديد يضمن للعمالة المنزلية حقوقها الكاملة التي لم يتم تضمين حقوقها في قانون العمل الأخير.
وعلى ضوء ما سبق نرى أن السنوات القليلة الماضية كانت قاسية ومحبطة على المتابعين السياسيين والمهتمين بحقوق الإنسان وهو ما يستوجب على الحكومة أن تتقدم نحو الأفضل في الممارسة الديموقراطية تجاه قضية الحريات بأنواعها وليس التفكير نحو تغليظ العقوبات عند تشريع أي قانون يماثله حتى لا نكون عرضة للانتقادات الدولية اللاذعة!!
حفظ الله الكويت وشعبها من كل مكروه،،
[email protected]