| علي سويدان |
يبدو عمل المعلم شاقاً في حياتنا اليوم، وربما تكمن المشقة في توجيهه للطلبة وفي تقويم سلوكهم وتهذيب أخلاقهم فضلاً عن متاعب شرح الدروس والجهد الذي يبذله المعلم في إيصال المعلومة للطالب، ولعلنا نضيف إلى تلك المهمة الدقيقة مؤثرات اجتماعية ترتبط بكل جديد في عصرنا وربما بكل غريب على ثقافتنا، ويتطلب ذلك استعداداً إضافياً فضلاً عن الاستعداد الأساسي للمادة وطرق التعليم، أما الأسوأ في هذه الحكاية ليس هو سوء أخلاق الطلبة!
فلعله من الطبيعي في مثل هذا العصر وفي مثل هذه المهنة مواجهةُ تلك الصعاب والتصدي لتلك العقبات، أما الأسوأ في الأمر هو تجاهلنا لحاجات المعلم ووقوفنا بعيداً عنه بل أحياناً نقف ضده، نحن أمام مشكلة تتعلق بالمعلم والتعليم ليس داخل دولة بعينها بل نفتح اليوم الباب على مصراعيه في الشرق في مشكلة صارت أشبه بظاهرة تطغى آثارها على فكر الإنسان العربي وتؤثر في وعيه وطريقة تفكيره، إنْ قدمتْ بعضُ الدول حلاً يشمل شريحةً بعينها من المعلمين فهذا حل جزئيٌّ لا يغني عن حاجتنا لخطة شاملة، نحن أمام جيل من المعلمين يُعلِّم جيلاً من أبنائنا، وإن قدَّمنا حلاًّ لشريحة من المعلمين في وطن ما فنحن العرب قد سحبنا طرفَ المشكلةِ من جهة واحدة وجعلنا الفُوَّهةَ بالاتجاه الآخر ونسينا أننا في سفينة واحدة!
ليس صحيحاً ما وصلنا إليه نحن بني يعرب من الاختلاف والتباعد، ومن الواجب ألاّ نيأسَ من السعي نحو تقارب في عمل مشترك يدفع التربية والتعليم تجاه الأفضل، نحن أبدعنا في عمل مشترك ولكن كان ذاك العمل المشترك تجاه قتل بعضنا وإثارة القلاقل للإضرار ببعضِنا، مشكلتنا تكمن في نمط تفكيرنا، لا نريد أن نستسهل الأمر فكل ما آلتْ إليه أُمتنا من ضياع كان نتيجة طبيعية لطرق تعليمنا يوم كنا على مقاعد الدراسة!
كيف يمكن لفاقدِ الشيءِ أن يُعطيَهُ لغيره؟! المعلم في شرقنا العربي يلهث على لقمة عيشه ويواجه متاعب المهنة بروحٍ منهكة ونفس ملولة، تخيَّلوا معي أن أبناءنا هم نتاج ذلك المعلم المنهك! فلا نستغرب بعدها حين نرى الناس - وهم نتاج ذاك المعلم أيضاً - يخربون وطنهم بأيديهم كما يحدث اليوم في مصر وفي بلاد عربية أخرى!
المواطن العربي لا يعرف مصلحته الشخصية ولا يملك القدرة على إدارة وقته ولا يملك القدرة على تنظيم دخله المالي لما يعود على أسرته بالنفع! المواطن العربي يفتقد الحد الأدنى من التفكير المتوازن في حل أي مشكلة داخل أسرته أو في نطاق عمله، فكيف بالله عليكم يمكن أن يكون عنصراً ناجحاً في حل مشكلة ترتبط بمصلحة الوطن أو أن يكون عاملاً فاعلاً في إدارة الوطن أو المشاركة في سياسته؟!
يبدأ حل المشكلة من قاعة التعليم داخل فصولنا الدراسية، يبدأ الانفراج في حل مشاكلنا السياسية والاقتصادية من طرق فهمنا التي نتعلمها داخل المدارس، وللدول والمؤسسات والإدارات دور في تدريب القادرين على تعليم أبنائنا بنمط فكري متزن تدريباً يدعم قدراتهم ويأخذ بأيديهم نحو حالة أكثر إنتاجاً، قالوا قديماً: لا تطلب من الجائع أن يتفلسف، ونقول اليوم: علينا ألاّ نطلب من المعلم أن يُبدع أو أن يخرج لنا جيلاً واعياً يعرف مصلحة وطنه! علينا ألاّ نطلب من المعلم ذلك لأنه مشغول بتأمين متطلبات حياته وحياة أسرته! إنْ أردنا أنْ نُسعف أمتنا فعلينا أنْ ندرك حال المعلم في شرقنا التائه!! أما حال معلمنا اليوم، فرحم اللهُ معلماً قديراً من فلسطين عرفته عن قرب وهو الأستاذ: محمد زياد شعشاعه، كان يقول: (المعلم عندنا ثلاثة حروف؛ ح ح ح يعني: حَضِّرْ واحْضَرْ وقُلْ: حاضرْ).
[email protected]