خيرالله خيرالله / عندما تحتفل «حماس» باتفاقي كامب ديفيد...

1 يناير 1970 02:42 م

لم تتورع «حماس» عن الاحتفاء بالرئيس الأميركي السابق جيمي كارتر على نحو استثنائي، كأن لقاء يعقد بينه وبين قادة الحركة في الداخل والخارج، في القاهرة ثم في دمشق صار إنجازاً عظيماً وهدفاً في حدّ ذاته. نسيت «حماس» أن كارتر لا يقدّم ولا يؤخر، بل يؤخّر في حال المطلوب إجراء حسابات سياسية دقيقة. ماذا يستطيع جيمي كارتر عمله للشعب الفلسطيني باستثناء إغراقه في لعبة لا فائدة منها لا تخدم سوى إسرائيل؟ ما تأثير كارتر على الرأي العام الأميركي؟ ما تأثيره داخل إسرائيل نفسها؟ من المؤسف أن ما فعلته «حماس» حتى الآن اقتصر على وضع نفسها في خدمة إسرائيل من زاوية الرهان على الوقت من جهة وعلى أشخاص هامشيين يبيعون الأوهام من نوع جيمي كارتر من جهة أخرى. الوقت لا يخدم سوى الاحتلال. إسرائيل تشتري الوقت. الدليل أنها تتهرب يومياً من أي خطوة جدّية تصب فعلاً في مشروع إقامة دولتين مستقلتين على أرض فلسطين. ما تريده إسرائيل حالياً هو التخلص من مشروع الدولتين... ولذلك تجد مصلحتها في الرهان على «حماس» وأيدولوجيتها المتخلفة التي لا علاقة لها لا بالواقع ولا بالتاريخ ولا بالجغرافيا.

إذا كان المرء يريد أن يكون منصفاً في حق جيمي كارتر، عليه الاعتراف بأنه الرئيس الأميركي الأول الذي تحدث عن «وطن للفلسطينيين» في بداية عهده في العام 1976. وفي حال سيذكر التاريخ كارتر، فإنه سيذكر أنه عرّاب اتفاقي كامب ديفيد في العام 1978. من دون جيمي كارتر، لم يكن في الإمكان التوصل إلى اتفاقي كامب ديفيد اللذين بقي أحدهما حبراً على ورق نظراً إلى أنه متعلّق بالفلسطينيين. كان الاتفاق الأول الذي أمكن تنفيذه، مرتبطاً بالسلام بين مصر وإسرائيل. وقد تحقق ذلك عندما توصل الطرفان إلى معاهدة في مارس من العام 1979. أما الاتفاق الآخر المتعلّق بالحكم الذاتي للفلسطينيين فقد طويت صفحته باكراً نظراً إلى أن منظمة التحرير لم تكن قادرة على التصرف بحرية. كان هم ياسر عرفات في مرحلة ما بعد زيارة الرئيس أنور السادات للقدس، فك الحصار السوري الذي كان يتعرّض إليه والمحافظة على وجوده المسلح في لبنان، على حساب الدولة اللبنانية، في وقت كان همّ دمشق منصباً على استمرارية حال اللاحرب واللاسلام في المنطقة إلى ما لا نهاية معتقدة أن مثل هذه الحال ستكرس دورها الإقليمي على كل صعيد خصوصاً في لبنان وبين الفلسطينيين...

ما الذي يفعله كارتر حالياً؟ هل يستطيع أن يتنكر لتاريخه بغض النظر عن إيجابيات اتفاقي كامب وسلبياتهما؟ هل يستطيع إعادة التاريخ إلى الوراء أي إلى العام 1978 عندما كان الاستيطان في الضفة الغربية لا يزال محدوداً؟

لعل أخطر ما في اتفاقي كامب ديفيد أن إسرائيل أخذت منهما ما تريده. ساعدها في ذلك العرب عموماً عندما ساروا خلف البعثين العراقي والسوري اللذين تصالحا فجأة واتخذا قراراً بعزل مصر غير مدركين خطورة مثل هذا القرار بغض النظر عن التقويم الموضوعي لرجل مثل أنور السادات ولخطوة زيارة القدس وإلقاء خطاب في الكنيست الإسرائيلية. أخذت إسرائيل ما يناسبها من كامب ديفيد. أخذت السلام مع مصر ورفضت الإقدام على أي خطوة إيجابية تجاه الفلسطينيين بما في ذلك تجميد الاستيطان كما نصّ على ذلك الاتفاق. ساعدها في ذلك الهجوم العربي العشوائي على مصر وحال الضياع الفلسطينية والضعف الذي أصاب إدارة كارتر نفسها. لم تعد الإدارة تعرف كيف تتصرف نتيجة الثورة التي أطاحت الشاه في إيران، وهي ثورة حقيقية كشفت كم أن الرئيس الأميركي الذي اسمه جيمي كارتر ساذج. إنه رئيس يصلح لإدارة جمعية الصليب الأحمر الأميركية وليس لرئاسة الولايات المتحدة...

لعل أخطر ما يمكن أن تسفر عنه لقاءات كارتر مع قادة «حماس» اقتناع هؤلاء أنهم يحققون اختراقاً ديبلوماسياً على الصعيد الدولي. لن يتغيّر شيء لا بعد اللقاءات ولا قبلها. تتصرف «حماس» بالطريقة ذاتها التي تصرف بها ياسر عرفات الزعيم التاريخي للشعب الفلسطيني قبل ما يزيد على ثلاثين عاماً، عندما كان متحمّساً للقاء أي شخصية أميركية يصادفها في طريقه. نجح ياسر عرفات، على الأقل، في الوصول إلى البيت الأبيض، لكنه فشل في نهاية المطاف في البناء على الإنجازات السياسية التي حققها في مرحلة ما بعد انتهاء الحرب الباردة. وفشل خصوصاً في التعاطي مع أحداث مرحلة ما بعد الحادي عشر من سبتمبر 2001 ودفع غالياً ثمن عجزه عن استيعاب الموازنات الإقليمية والدولية في مرحلة معينة.

لن يأخذ جيمي كارتر «حماس» والقضية الفلسطينية إلى أي مكان. جاء إلى الشرق الأوسط للاحتفال بذكرى مرور ثلاثين عاماً على توقيع اتفاقي كامب ديفيد لا أكثر. هل تفهم «حماس» وتقتنع بأن الخدمة الوحيدة التي تستطيع تقديمها للشعب الفلسطيني تتمثّل في التراجع عن استخدامه وقوداً في معارك لا علاقة له بها من قريب أو بعيد. إنها معارك لا تصب سوى في خدمة المحور الإيراني - السوري، أي إسرائيل نفسها التي لا تطمح سوى إلى الجمود السياسي. إن الجمود السياسي الذي تؤمنه صواريخ «حماس» الغبية هو الذي يسمح لها بالقول إنه لا شريك فلسطينياً يمكن التفاوض معه وأن الانسحاب من غزة كلفها الكثير بدليل إقامة دولة «حماستان» في القطاع. يفترض في «حماس» أن تدرك ان اتفاق التهدئة الذي يمكن أن يقنعها به كارتر ليس ورقة سياسية. مثل هذا الاتفاق كانت تستطيع التوصل إليه بمجرد حصول الانسحاب الإسرائيلي من القطاع صيف العام 2005... اللهم إلا إذا كان طموح الحركة الإسلامية في الحياة التسبب في مقتل أكبر عدد ممكن من أبناء الشعب الفلسطيني... والمشاركة في احتفالات الذكرى الثلاثين لتوقيع اتفاقي كامب ديفيد!


خيرالله خيرالله


كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن