إشراقات النقد / احتفاء القص بذاكرة الفحيحيل المندثرة في مجموعة «يسقط المطر» لمنى الشمري

1 يناير 1970 05:55 م
| سعاد العنزي |

هل بالإمكان أن يأتي الإبداع من دون مقدمات وسابق إنذار، يباغتك فجأة من حيث تعلم أولا تعلم، يقتحم عالمك المعرفي ليقول لك هأنذا أختصر كتاباتك المتعددة في الهوية والمجتمع والانزياح الجغرافي والإنساني وفي معالم الوجع الإنساني مدى عدد من سنين، بمجموعة قصصية صغيرة لا تتجاوز الثمانين صفحة، صادرة حديثا لكاتبة لم تمهد لها بمجموعات قصصية سابقة، على الرغم من تواجدها في الساحة الإعلامية والثقافية لمدة لا بأس بها، تختزل الوعي بذاكرتها، وتقيم تجارب الآخرين، لتظهر لنا عمليا أدبيا أبسط ما يقال عنه إنه ناضج ومكتمل أطراف الحكاية، ويرتفع سقف الثناء عليه ليصل إلى حدود وصفه بإن مؤلفه إنسان عبقري ومبدع بأصالة تبتعد عن التقليد والتصنع يحمل ذاكرة حية ونابضة وذكية جدا في التقاطاتها الأكثر من فوتوغرافية، بتحويلها إلى مشاهد سينمائية تحقق دهشة ولذة التلقي لصور مختزلة في ذاكرة التلقي الجمعية للمجتمع الكويت في فترة زمنية كادت أن تغييب، وتختفي وتعد واحدة من الأشياء المسكوت عنها في حياة المجتمع الكويتي المعاصر، حيث لم تحرر كتابة، ولم تظهر بصورة جيدة وواضحة في إعلامنا، ومهددة بأن تبقى عالما منسيا في ذاكرة أجيالنا الحالية والقادمة، لابد أن يتخذ الأدب دوره ويتحدث عنها ويوثق لها. هذه نقطة واحدة من نقاط الجمال والروعة والدهشة في مجموعة » يسقط المطر .. تموت الأميرة» الصادرة حديثا 2012 للكاتبة الكويتية منى الشمري عن الدار العربية للعلوم.

لعله من المهم أولا أن نعرف، قبل الولوج في عالم القصص، عن سر تميز وتفرد المجموعة، هذا النجاح المبهج حقا يعود إلى عدة أمور، يمكن تحديدها بالنقاط التالية:

1- الانطلاق من الذاكرة الشفوية الشعبية الكويتية لقصص موثقة عبر حكاياتنا الشعبية فقط، ولم تكتب وتدون وفق ذاكرة كتابية تحريرية، ما هدد هذه القسمات بأن تندثر خلف معالم العمران الزاحفة على خريطة الكويت القديمة، وبإنسان كويتي مسرع نحو حداثة الشكل، تاركا الروح الكويتية ترتطم بأحزانها، وأنا هنا أجزم بأن كل كويتي عاصر تلك الفترة أو سمع عنها مروية له، إلا وباغتته براعة الكتابة في تحويل هذه الذاكرة إلى صورة بصرية متحركة عبر اللغة.

2- تحرير جغرافي لذاكرة الأمكنة التي أزيحت ولم يتبق منها إلا أطلال، فكانت المجموعة هنا نصا كتابيا مشاركا في حفظ ذاكرة الأمكنة التي اندثرت معالمها، مرتبطة بأزمنة عاشتها الكويت بطريقة مختلفة ومغايرة عما هو موجود الآن، كما يقدم المكان الروائي الكويتي طالب الرفاعي المجموعة بقوله: «هو بطل في أكثر من قصة، ويحسب لمنى الشمري، تصديها الفني المبدع لحفظ بعض من ذاكرة منطقة» الفحيحيل» في الكويت، بعد أن هزمت الحداثة العمرانية الخرسانية المتهورة المدينة وأهلها». (غلاف المجموعة)

فكان رجوع الكاتبة للماضي، لحفظ معالم المكان بذاك الزمان وقيمه الجميلة، لتقول ان كان ثمة خلل هنا فانظروا إلى الأمس، وهو ما سأوضحه لاحقا.

3- تسليط الضوء النقدي على ظواهر سلبية في المجتمع، برز بها كيد النساء ومؤامراتهن، كصورة لمؤسسة سلطة فاسدة، يمارسنها ليقمعن الضعيف منهن، والرجل المجلجل في صوته وعنفه يتحول إلى سلطة رمزية سرعان ما تزيلها المرأة بدهائها وذكائها. ومن دون لا يشعر أو يعلم بذلك، هو الحاكم الصوري لمملكة المرأة، بينما هي من يدير الأمور وتتصرف وفق إرادتها، وللأسف ان أدوار المرأة هنا كانت أدوار شر بشكل عام توزعت بين محورين (المحور الأول : نساء ضعيفات تحاك حولهن مؤامرات، المحور الثاني: مجموعة من النساء يعبرن عن رفضهن لهذه الفئة فيتصرفن معهن بقسوة، وحرمانهن حتى من حق الأكل، مثل ما حدث مع حالة زهرة في قصة » مالم تره عين الصقر»، يقابل هذا موقف طيبة في قصة «كحل أسود... قلب أبيض»، التي زوجت قسريا من متخلف عقليا، فما إن أحست بأن إرادتها غلبت بقرار الرجال حتى آثرت أن تفعل الأفعال الشيطانية الخفية ما يميت هذا الزوج الصوري أيضا موتا بطيئا عبر إطعامه من فضلات وأنفاس قطة مريضة وهزيلة. الرجل كذلك لعب دورا شريرا في المجموعة في قصة «الجنة والنار» عندما أدرك إن ارادته غلبت بعدم الموافقة على زواجه من الفتاة الإيرانية فاطمة، فإنه بدأ يحيك حول أخلاقها القصص المؤلفة باطلا، وكان منتهى أحقاده أن يحرق جمالها بماء النار، كما تصف الساردة ذلك:

»عانقت أمي وبكينا معا، فاطمة تبكي وتئن من الألم، بحذر شديد رفعت أمها الشاش، رأيت مسخا مشوها بعينين مطفأتين مكان الوجه الفاتن. تفحم قلبي، هربت مذعورة، كانت جدران الجنة تجهش بعويل الأرامل، دفنها رماد القبح.». (المجموعة، ص36)

4- تكامل عناصر القصة لديها منذ بداية القصة وصولا للنهاية المشوقة والصادمة والمفاجئة، بالإضافة إلى لغة جميلة مشرقة، ومتناسقة تماما مع سياق الحدث وموضوع الحكاية، فأوصاف السرد على سبيل المثال، لم تكن بمعزل عن جوهر الحكاية الأساسية، ولا عن طبيعة الموضوع، من مثل ما ورد في قصة »بنت من عجين»، حيث كانت الطاقة الغوية مسخرة لشرح حالة السمنة والتضخم كمرض حل على ريما الفتاة القادمة مع أهلها من سورية، ابنة الخباز، فتقول الساردة، : » يوما بعد يوم ريما تنتفخ مثل كعكة في فرن ويتضاعف حجمها».

في الجزء المقبل، ستكون الهوية الكويتية في الماضي معرض التناول في القراءة للمجموعة التي مازلنا نقف على أبواب الولوج إلى عوالمها المأمولة في القراءات اللاحقة.



* كاتبة وناقدة كويتية

Su_ad81@

[email protected]

* منى الشمري، »يسقط المطر .. تموت الأميرة»، الدار العربية للعلوم، 2012، الطبعة الأولى.