أول من عمد إلى شرابها النساك والعباد ثم أصبحت تقدم في بيوت الطبقة الارستقراطية بعدها اتخذها عامة الناس
القهوة العربية... فاكهة المجالس
1 يناير 1970
04:56 ص
القهوة العربية لها مكانة عند الناس جميعها نقف اليوم مع محطات اكتشافها وانتشارها، ثم نتطرق إلى فوائدها واداب تقديمها بعدها نتحدث عن المكانة** التي احتلتها عند الشعراء وقد كان مصدرنا في هذه الجولة في عالم القهوة من كتاب الاستاذ عبدالرحمن السويداء «القهوة العربية» فلنترك عزيزي القارئ مع ذلك:
القهوة العربية مشروب خرج من جزيرة العرب حينما اكتشفت مصادفة في اليمن واصبح مشهورا في كافة انحاء المعمورة فاسم القهوة اسم عربي فصيح اصلها كلمة «كفي» دخل كل بيت وعرفها الصغير والكبير على سواء... لم يتحدد تماما متى تم اكتشاف القهوة قد تكون من الاشياء التي تم اكتشافها من قبل فئة من الناس لا يلقون بالا لما يكتشفون لكن ذكر ان رعاة العرب لاحظوا ان اغنامهم عندما تأكل من ثمرة معينة يبدوا عليها نشاطا على غير عادتها وهذا الامر شد انتباههم وجعلهم يتذوقونها فلم يستسيغوا لها طعما مما حدا بهم إلى القائها في نار موقدهم ففاحت منها رائحة زكية وهذا الامر جعلهم إلى شرب ماء تلك الحبوب بعد غليها ثم شاع شرابها وعرفت انها تطرد النعاس وتبعث النشاط لذلك عمد إلى شربها العباد والنساك حتى يستطيعوا اقامة الصلوات ليلا وقد ذكر ان القرن العاشر الهجري السادس الميلادي هو اقدم ورود لها في الكتب ويقال ان اول من استعملها الشيخ علي بن عمر الشاذلي، فطن لها الصوفية فاستعانوا بها على السهر.
أول
اول كتاب يذكر انه تحدث عن القهوة كان للطبيب الاوروبي «برنارد دولف» في سنة 1575 حيث ذكر فيه ان الاتراك يشربون سائلا اسود كالحبر وهم يحبونه ومغرمون به وهو شراب نافع في علاج امراض كثيرة منها داء المعدة... وقد بدأ محاولة الهولنديين في الحصول على القهوة في القرن السابع عشر حينما كان لهم وجود في اليمن ومن اليمن انتشرت زراعة البن إلى اجزاء من افريقيا واسيا واميركا وخلال فترة قصيرة توصل الهولنديون إلى طريق آخر بدل المركز اليمن وهي مستعمراتهم في جاوا تم زراعتها في جزر الهند الشرقية بعدها انتشرت زراعتها في البرازيل وحول اميركا اللاتينية واميركا الوسطى ثم في انحاء العالم.
لكن افضل الانواع هي اليمنية والبرازيلية... لكن تطور الانتاج العالمي لها في القرن التاسع عشر لان فيه كانت النهضة الصناعية وهذا يتطلب للعمالة الحصول على منبهات من اجل المجهودات الكبيرة عليهم اضف إلى ذلك تطور وسائل النقل خصوصا البحري منها وكذلك انها تحقق ارباحا طائلة للمنتجين.
الانتقال
انتقلت عادة شرب القهوة من اليمن إلى مكة سنة 1500م ثم إلى المدينة المنورة والمدن العربية الاخرى القاهرة وانشئت في العواصم المقاهي وفتحت ابوابها للجميع وللاتصال في المدين المقدمة ومصر حلب إلى سورية وتركيا وبلا فارس وتعرف الرحالة الاوروبيون على المشروب الاسود «البن» في شبة الجزيرة العربية ومصر فوصل إلى ايطاليا ثم بريطانيا.
العرب
اصبح للقهوة مكانة خاصة في الاقطار العربية منذ ان بدأ استعمالها قبل خمسة قرون مضت فمن انها اقتصر على فئة معينة من النساك والعباد ثم توسع استعمالها إلى الطبقة العليا الارستقراطية من المجتمع ثم انتشرت في سائر طبقات المجتمع ومرت بأطوار من الانكار والاحتجاج في بداية امرها حيث اعتبرت محرمة لكنها تخطت جميع العقبات واحتلت مكانة مرموقة بين فئات الشعب وطبقاته... تناولها الفقير المعدم وكذلك الغني وتجهز في البيوت وفي المقاهي التي كانت في بدايتها متواضعة واصبحت القهوة تشرب في جميع الجلسات سواء للعمل او التسلية او الراحة والرجال والنساء سواء بشربها ولها اوقات في اطراف النهار واجزاء من الليل وكل يفضل لها وقت لشربها.
الاضاف
تضاف للقهوة من البهارات من قطر إلى آخر منهم من يضيف القرفة والزنجبيل وهو ما يطلق عليه البهار او القند وهناك الهيل والقرنفل والزعفران وطيب العنبر، والقرنفل له عدة تسميات «العود أو العويدي أو المسمار».
آداب
هناك آداب لتقديم القهوة من بلد إلى آخر وربما من بلد إلى آخر في نفس القطر ومن الآداب المتعارف عليها في وسط الجزيرة العربية ان يقوم ساقي القهوة او الذي يديرها بامساك الدلة في يده اليسرى والفناجيل في اليمنى ويكون وقوفه بقرب محتسي القهوة ويكون في فنجال القهوة قليل منها لا يتعدى ثلاث رشفات وعندما يقدم القهوة تصاحبها ألفاظ لطيفة مثل «خذ أو سم أو تفضل» وهناك آداب عديدة اخرى في المجالس التي تقدم بها القهوة ومصطلحات كثيرة وجمل كلها تتعلق بحسن الكرم والضيافة.
الاقتصار
لم تقتصر القهوة مكانتها عند العرب فقط بل في جميع الاقطار وقد دخلت بيوت الاستقراطيين الذين كانوا لا يذهبون للمقاهي ويقدمونها لضيوفهم ذوي المكانة المرموقة.
الكرم
احتلت القهوة مكانة كبيرة وعظيمة في وسط جزيرة العرب من شرقها إلى شمالها واعتبرت واجهة للكرم العربي فهي اول ما يقدم للضيف واصبح يطلق عليها عدة معان والقاب يرمز إلى اصحابها بنعوت عدة ... فلان عنده «مْعنى» اي قهوة او عنده شبه نار او صاحب دلال او وجه رجال وكلها اماكن يجتمع فيه والزوار لشرب القهوة سواء كان مكانا معينا عند الحاضرة او في جزء من بيوت الشعر عند البادية... وكانت نعوتهم لصاحب القهوة ذات دلالات مرتبطة بالكرم الدائم كقولهم «لا تطفئ ناره» أو «لا تبرد معاميله» اي كثرة ما يصنع بها القهوة.
المكانة
احتلت القهوة مكانة ومساحة في الشعر العربي الفصيح والعامي فلقد تناولوا كيفية صنعها واداب تقديمها لشاربيها والادوات التي تعمل بها وما يضاف اليها من بهارات والفوائد التي نجنى منها والمناقب والخصال والسجايا الحسنة التي للقهوة اثر بهم.
أدوات
تتكون ادوات القهوة من اداة التحميص او الحمس والسحق او الطحن، والغلي والتحضير، والتقديم والشرب، وتختلف هذه الادوات من مكان لآخر ففي معظم الاقطار العربية والاوروبية تحمص القهوة باداة تشبه المقلاة لها مقبض قصير وربما في صحن كبير تقلب فيه حتى تنضج هذا الوضع قبل دور الكهرباء والمحامص الكهربائية التي انتشرت في كل مكان، وربما اشتراها صاحب المنزل محمصة ومسحوقة جاهزة، وتتكون ادوات القهوة في تلك الاقطار بالاضافة إلى المحمصة من الغلاية التي كانت تصنع من النحاس الاصفر والاحمر المربوب ثم صارت من الصاج المدهون والفخار او الخزف الصيني في بعض الاحيان وادوات تقديم القهوة هي الصينية الصغيرة او «الطوفرية» التي توضع فيها الفناجين، هذه الصينية كانت تصنع من النحاس المزخرف ثم صارت تصنع من مختلف المواد من الصاج المطلي والزجاج والخزف الصيني وغيره، ثم فناجين القهوة وتصنع على الاغلب من الخزف الصيني على هيئة اكواب ولكن بعرى من مختلف الاجحام والاشكال وغالبا ما يكون مع تلك الاكواب صحون صغيرة خاصة من نفس معدنها تقدم منها وتوضع بها قوالب السكر الصغيرة، وملعقة صغيرة تحرك بها السكر ان طلب الشارب او الزبون زيادة في السكر عما هو موضوع بداخل القهوة ويسكب في الفنجان حتى يمتلئ إلى قرب حافته وقد يكون بصحبه الفناجين «السكرية» وهي علبة من نوع الفناجين او تختلف عنها انيقة رشيقة داخلها قوالب السكر، او السكر العادي مع ملعقة التحريك، اما في بعض اجزاء المملكة السعودية وبعض الاقطار العربية في الخليج العربي والعراق وسورية والاردن فان هناك اختلافا في ادوات صنع القهوة.
نجد
ولنأخذ منطقة نجد كشريحة من المملكة العربية السعودية وهنا نجد ان ادوات تحضير القهوة تتكون من المحمصة او المحماسة، «والنجر أو النجيرة» وهو الهاون، والمبرادة، والدلال وصينية الفناجين.
العربية والتركية
تنقسم القهوة العربية الى نوعين: احدهما القهوة العربية على الطريقة العربية، وثانيهما القهوة العربية على الطريقة التركية، فالقهوة العربية مرة المذاق نوعا ما، إلا ما يخفف مرارتها بما يوضع فيها من بهارات، وما يتصف به صنعها اثناء تحميصها من التخفيف والثقل، فكلما كان تحميصها او حمسها خفيفا كانت مرارتها كذلك، واذا ثقل ازدادت المرارة، والعرب قد تعودوا على هذه المرارة وألفوها، واصبحت تسمع من يقول: قهوة مرة، او فنجان مر، وتراهم في كثير من الاحيان يكسرون هذه المرارة بالتمر الذي يقدم معها في معظم الاحيان ويسمى «القدوع» ويلازم تقديمها كما اسلفنا إلا في حالة ندرته او فقدانه في اوقات مضت، او عندما يكون الوقت غير مناسب كأن تكون ادارة القهوة بعد الطعام فإنه لا يلزم تناول التمر، وربما جرى ما ينوب عن التمر من الحلويات في وقتنا الحاضر، او ربما شرب قبلها او بعدها الشاي المحلي بالسكر بدلا من البهارات، بما اصبح يعرف «بالقهوة التركية» وهي مسحوق القهوة مضافا اليه مقدار من السكر على ثلاث مراحل «سكر قليل، وسكر وسط وسكر زيادة» كما قال الشاعر:
رأيتك ساهرا والليل يجري
علي عجل كمن ركب الجوادا
ومن يعصر قريحته بليل
يحن لقهوة «سكر زيادة»
هذا النوع من القهوة هو السائد في كثير من المدن الكبيرة في الجزيرة العربية والاقطار العربية والاقطار الاوروبية وغيرها اما في وسط الجزيرة العربية فلا يضاف السكر الى القهوة... وانما تضاف اليها البهارات، وتبقى مرارتها، وفي اليمن واجزاء من المنطقة الجنوبية من المملكة السعودية يضاف الى القهوة وقشرها الزنجيل وقليل من القرفة
الشام
وفي بعض الاقطار العربية كبادية الشام والعراق فلا يضاف اليها احيانا اي شيء واحيانا يضاف اليها من البهارات القرنفل والهيل بكميات تقل او تكثر حسب رغبة الشارب، وعلى هذا فالقهوة نوعان كما اسلفنا القهوة العربية وهي التي تضاف اليها البهارات بدون سكر واحيانا بدون بهارات وتنتشر في الجزيرة العربية وبعض الاقطار العربية المجاورة لها وفي العراق والشام والمغرب العربي خصوصا خارج المدن اما النوع الثاني فهو القهوة العربية المحلاة بالسكر والتي تعرف بـ«القهوة التركية» وتنتشر في بعض المدن الرئيسية في الجزيرة العربية خصوصا المقاهي التجارية والاقطار العربية في المدن الكبرى وكذا الحال في الاقطار العالمية، ويضاف الى القهوة المحلاة الحليب العادي او الحليب المجفف وبعض المساحيق المستخلصة من الحليب وغيره لتكسر من حدتها ولتضيف اليها مادة غذائية مفيدة.
الشعر الفصيح
معظم ما قيل في القهوة من الشعر الفصيح في الفترة التي اعقبت بدء استعمالها، ويغلب على طابع هذا الشعر وصف القهوة وكيفية صنعها وآداب تقديمها لشاربيها، والادوات التي تعمل بها، وما يضاف اليها من بهارات، ومحاولة تبرير تقديمها والفوائد التي تجنى منها، ولم نلحظ في هذه القصائد اثرا للاعتبار الذي ساد اخيرا من انها واجهة الكرم بل ان هذه الاشعار في معظمها تنصب على مجالس الاصفياء والاصدقاء من شاربيها ورواد اماكنها وما يشعر به شاربها من لذة في تناولها فهي حينا تطرد عنه النعاس والكسل حينا وآخر تنعشه وتجعله يعيش اجمل اللحظات واسعد الاوقات ولنتعرض لهذا الشعر لنرى ما فيه مما سبقت الاشارة اليه.
قال الشيخ عبدالله بن علي آل عبدالقادر يرحمه الله
اغثني ايها السّاقي لعلي
اذا صمتك نازلة سقيت
بكأس جنى من البن اليماني
بنفسي انت من ساق فديت
أهذا البدر في كأس التّهاني
مع الاشراق ام شفقا حسيت
سُلاف سلس راح رحيق
شفاء الهم حمراء كُميتُ
مشعشة يطيب لن شذاها
متى انست رياها انتشيت
شراب ينهض الأرواح حتى
كأني في السموات ارتقيت
إذا ام الخبائث نازعتها
لطيفا من شمائلها ابيت
تمد نباهة عقل كما قد
يمد ذبالة النبراس زيت
ألا زعمت بأن الكأس يصبو
إلى الساقي يجنى ما جنيت
أليست صبغة العشاق فيه
فتشهدلي بأني ما افتريت
فغرت من الحبيب علي حبيب
وهل تدري لايهما قضيت
إذا زار الخيال وشيعته
مع الاسحار انفاس هويت
وفاضت مهجتي دمعا وثارت
من الاحشاء اشواق طويت
على تلك الملاهي فاسقنيها
إذا مالكأس اشهى ما اشتهيت
ثلاثا عند ساقيها علينا
إلا خمس ولاء فاشتيهت
معان جلّيت في كل قلب
وقلب لم يجدها فهو ميت
وقال شاعر آخر يرحمه الله:
اقول وقد دارت بنا بن قهوة
وقد سرني منها الغداة صبوح
اصورة غزلان بفنجان قهوة
اذا زفها ساق اليّ صبيح
ام الظَّبى حقا قد تردى به فهى
دم طفح المسك الذكي يفوح< p>< p>< p>