خيرالله خيرالله / كلّ هذا الحقد على وسام الحسن ... ولبنان

1 يناير 1970 09:41 م
| خيرالله خيرالله |

لماذا كلّ هذا الاصرار على اغتيال اللواء وسام الحسن؟ يكشف تفجير الرجل والجهود التي بذلت من اجل التخلّص منه كمّية هائلة من الحقد. أنّها كمّية لا يمكن مقارنتها الاّ بتلك التي كان يختزنها النظامان الايراني والسوري للرئيس الشهيد رفيق الحريري.

في النهاية، يندرج اغتيال رئيس فرع المعلومات في قوى الأمن الداخلي اللبنانية في سياق سلسلة من الجرائم الكبرى كان لبنان مسرحا لها.

بدأ تنفيذ هذه الجرائم منذ قرّر النظام السوري، الذي تأسس في العام 1970، الانصراف الى تدمير المؤسسات اللبنانية واختراق الطوائف وتقليبها على بعضها بعضا. ترافق ذلك مع هدم منظّم للمدن وتهجير المسيحيين من الاطراف بهدف تشجيعهم على ان يصبحوا «انعزاليين» بما يسهل ارتكابهم اخطاء سياسية كثيرة ومن ثمّ استضعافهم وتوجيه كلّ نوع من الاتهامات اليهم.

كان لدى هذا النظام حقد تاريخي على لبنان واللبنانيين، لا يوازيه الاّ الحقد الكامن لديه على الشعب السوري نفسه. اعتمد في التنفيس عن هذا الحقد في البداية على ادواته المباشرة بشكل اساسي، لكنّه اضطر في مرحلة ما بعد وصول بشّار الاسد الى السلطة في السنة 2000 الى الاعتماد اكثر فأكثر على الشبكات التي اقامها «حزب الله» وغيره من الاحزاب في كلّ الاراضي اللبنانية، وهي شبكات توسّعت مع الوقت. غطّت هذه الشبكات المناطق التي فيها اكثرية مسيحية، خصوصا منذ خروج القوات السورية من الاراضي اللبنانية نتيجة اغتيال الرئيس الحريري ورفاقه ومنذ تحوّل النائب المسيحي ميشال عون الى اداة طيعة في يد الحزب ابتداء من بداية السنة 2006.

المفارقة أنّ الامر الذي لم يتغيّر يوما، في ضوء تغيّر طبيعة ميزان القوى بين الرئاسة السورية من جهة و«حزب الله» من جهة اخرى، هو الهدف السوري في لبنان. كان ميزان القوى، في لبنان تحديدا، يميل عموما الى الرئاسة السورية في عهد الراحل حافظ الاسد. وما لبث هذا الميزان ان تغيّر تدريجيا لمصلحة ايران ومن يمثّلها في لبنان وذلك في اللحظة التي خلف فيها بشّار والده، وربّما قبيل ذلك، عندما باشر الاسد الابن في الامساك بخيوط السلطة لدى بدء تدهور الحالة الصحيّة لحافظ الاسد ابتداء من السنة 1998.

منذ ما قبل اغتيال كمال جنبلاط في العام 1977، بدأ النظام السوري عملية مدروسة تستهدف افهام كلّ من يعنيه الامر ان لبنان «ساحة» بالنسبة اليه وأنّه يحق له ارسال كل الاسلحة التي يريدها الى الوطن الصغير ونقل اكبر عدد من المقاتلين الفلسطينيين اليه. كان عليه تدجين السياسيين اللبنانيين بعدما نجح الى حد كبير في تدجين سورية كلّها والغاء الحياة السياسية فيها. كانت ضحيته الاولى الرئيس الراحل صائب سلام الذي كان رئيسا للوزراء مطلع السبعينات مع وصول سليمان فرنجية الجدّ الى موقع رئيس الجمهورية. تجرّأ صائب سلام على السير في التحقيق بعد اغتيال اللواء محمد عمران احد كبار الضباط العلويين في طرابلس. لجأ محمد عمران بعد خلاف مع حافظ الاسد الى عاصمة شمال لبنان، فكان لابدّ من التخلص منه... وكان على السلطات اللبنانية تغطية الجريمة وليست متابعة التحقيق فيها.

اغتال النظام السوري صائب سلام سياسيا. بعد استقالته من موقع رئيس الوزراء في العام 1973، لم يعد مسموحا لرئيس الجمهورية الاستعانة به مجددا في تشكيل حكومة. منع صائب سلام حتى من دخول الاراضي السورية، على الرغم من أنّه متزوج من سيدة سورية هي تميمة مردم بك. ولا شكّ ان كثيرين يعرفون أنّ طائرة صائب بك لم تتمكن من الهبوط في مطار حلب لدى ذهابه الى هناك في رحلة صيد مع مجموعة من رفاقه حين كان لا يزال رئيسا للوزراء بين 1970 و1973.

لم يكن صائب سلام وحده الذي تعرّض لاغتيال سياسي بسبب رفضه التخلي عن فكرة لبنان. هناك ايضا الرئيس تقيّ الدين الصلح، المتزوج من سيدة سورية ايضا، والذي كان رمزا للاعتدال والعيش المشترك بين اللبنانيين. كان مطلوبا التخلص بالاغتيال السياسي او الجسدي من اي شخصية لبنانية، بغض النظر عن الطائفة التي تنتمي اليها، بمجرّد ان تكون هذه الشخصية قادرة على جمع عدد كبير من اللبنانيين حولها، او ان تكون جسرا للتواصل في ما بينهم كما حال الرئيس حسين الحسيني رئيس مجلس النوّاب السابق واحد رفاق صائب سلام وتقي الدين الصلح والعميد ريمون اده وكثيرين من الكبار الذين انتهوا إمّا في المنفى وامّا في بيوتهم.

ما يجمع بين كلّ الشخصيات اللبنانية التي اغتيلت بطريقة او بأخرى، بما في ذلك المفتي حسن خالد، وصولا الى تفجير اللواء وسام الحسن هو فكرة لبنان. لا يستطيع النظام السوري السماع باسم لبنان.

من بين اسباب اغتيال رفيق الحريري اعادته لبنان الى خريطة الشرق الاوسط واعادة الحياة الى بيروت. كان النظام السوري كلّف الالوية المسمّاة «جيش التحرير الفلسطيني»، والتي كانت متمركزة في سورية اصلا، اخذ مواقع وسط بيروت في العام 1976 وذلك كي يسهل ايجاد حواجز ومتاريس بين المسيحيين والمسلمين في لبنان... ربّما كانت تلك المهمّة الوحيدة التي يراها النظام السوري لـ«جيش التحرير الفلسطيني»!

كان الهدف من تفجير سمير قصير اغتيال مفكّر لبناني عاشق لبيروت يعتبر نفسه سوريّا وفلسطينيا في الوقت ذاته. كان الهدف من اغتيال جورج حاوي القضاء على ايّ لبناني قادر على ان يكون مرتبطا بحركة النضال الوطني على الصعيد العربي. ممنوع على اللبناني الخروج من الطائفة والمذهب والمنطقة التي يقيم فيها. هذا ما جعل بيار امين الجميّل هدفا وهذا ما قتل جبران تويني الذي كان مطلوبا منه السكوت عن الوصاية وتتفيه «النهار» بدل ان تبقى كما كانت في عهده الصحيفة التي ترمز الى المقاومة الحقيقية، اضافة الى ثقافة الحياة، في لبنان عموما وبيروت على وجه الخصوص...

أمّا وسام الحسن فقد فُجّر بدوره لاسباب عدة في مقدّمها كشفه النظام للسوري وافشاله كلّ الجهود السورية - الايرانية التي في اساسها خلق مؤسسات لبنانية تابعة لـ«حزب الله» على شاكلة حكومة الرئيس نجيب ميقاتي الحالية.

فقد سعى النظام السوري، وحده اوّلا، ثم بالتعاون مع النظام الايراني الى وضع اليد على كلّ المؤسسات اللبنانية، على رأسها المؤسسات الامنية. فعل ذلك منذ مكّن الجنرال ميشال عون، بفضل عبقريته العسكرية التي لا تتفوق عليها سوى عبقريته السياسية، القوات السورية من دخول قصر بعبدا ومقر وزارة الدفاع اللبنانية في العام 1990 وذلك للمرة الاولى منذ قيام الجمهورية اللبنانية.

أسس وسام الحسن جهازا لبنانيا خالصا فيه عناصر من كلّ الطوائف والمناطق. أنه سبب اكثر من كاف للتخلص منه، ولاستمرار محاولات التخلص من آخرين نذروا حياتهم لفكرة لبنان...الذي يتبيّن كلّ يوم أنه سيظل عصيّا على النظام السوري...هذا النظام، الذي يرفض التعلّم من تجارب الماضي القريب، والاعتراف بأنّ مشكلته كانت دائما مع الشعب السوري وليس مع رفيق الحريري او وسام الحسن، تماما مثلما أن النظام الايراني لا يفقه الى انّه يستطيع الحاق دمار كبير بلبنان، لكنّه سيظلّ هناك لبناني يقف في وجهه ويقول الحقائق كما هي... بما في ذلك ان الحكومة الحالية، التي لا أوادم فيها، هي آخر الحكومات الايرانية - السورية في الوطن الصغير.