خيرالله خيرالله / ميزة الأداة التي اسمها ميشال عون...

1 يناير 1970 10:01 م
| خيرالله خيرالله |

يصعب التأريخ للاحداث التي مر بها لبنان منذ توقيع اتفاق الطائف في خريف العام 1989 من دون التوقف عند الذي حصل يوم الثالث عشر من اكتوبر 1990.

يومذاك سمحت الولايات المتحدة للنظام السوري بالانتهاء من تمرّد العماد ميشال عون الذي جاء به الرئيس امين الجميّل الى قصر بعبدا ليكون رئيسا موقتا لحكومة هدفها الاعداد لانتخاب رئيس جديد للجمهورية. كان ذلك خطأ من الاخطاء التي ارتكبها امين الجميّل الذي اعتقد ان عون سيعمل على انتخاب رئيس للجمهورية بعدما تعذّر ذلك قبل انتهاء الولاية الدستورية للرئيس اللبناني. احترم امين الجميّل الدستور وخرج من قصر بعبدا يوم انتهاء ولايته وترك لعون، الذي كان قائدا للجيش، العمل كرئيس موقت لحكومة مهمّتها انتخاب رئيس جديد.

ما دفع الولايات المتحدة الى السماح للنظام السوري باستخدام سلاح الجوّ في لبنان انضمام الاسد الاب الى التحالف الدولي الذي سيتولى لاحقا اخراج صدّام حسين من الكويت التي احتلّها جيشه في الثاني من اغسطس 1990.

من الناحية النظرية، لم يكن ميشال عون في تلك المرحلة سوى اداة من ادوات صدّام حسين، الذي وفّر له كلّ الدعم في سياق سياسة عراقية تتميّز اول ما تتميز بالغباء وقصر النظر وجهل بالتوازنات الاقليمية والدولية.

كان عون في واقع الامر اداة سورية تؤدي الدور المطلوب منها في كلّ وقت من الاوقات ومتى تطلّبت المصلحة السورية ذلك. هل من خدمة للنظام السوري، في العامين 1989 و1990، اكبر من خدمة ادخال الجيش اللبناني، الذي كان على رأسه ميشال عون، في مواجهة مع «القوات اللبنانية» التي لم تكن، وقتذاك، سوى ميليشيا من الميليشيات اللبنانية، وذلك بهدف اخضاع المناطق المسيحية كلّها للنظام السوري لا اكثر ولا أقلّ؟

دخل ميشال عون قصر بعبدا بطريقة شرعية وخرج منه بشكل مذلّ اذ فرّ الى منزل السفير الفرنسي بعدما عمل كلّ ما يستطيع من اجل خدمة النظام السوري الذي استطاع يوم 13 اكتوبر 1990 الدخول للمرّة الاولى منذ استقلال لبنان الى مقر رئاسة الجمهورية في بعبدا والى وزارة الدفاع اللبنانية في اليرزة.

ادّى ميشال عون المطلوب منه في مرحلة معيّنة ثم لجأ الى فرنسا بعدما امضى فترة في حماية السفير الفرنسي في لبنان وكان اسمه رينيه آلا. تلك باختصار قصة ميشال عون الذي حال دون دخول الرئيس رينيه معوّض، المنتخب شرعيا رئيسا للبنان بعد اقرار اتفاق الطائف، الى قصر بعبدا. احتلّ «الجنرال» قصر بعبدا حتى اكتوبر 1990. حال دون وصول رينيه معوّض اليه كي يسهل اغتياله على يد النظام السوري الذي رفض في العمق اتفاق الطائف وسعى الى تطبيقه بالطريقة التي يريدها. كان رينيه معوّض عقبة في وجه تطبيق اتفاق الطائف على الطريقة السورية. ولذلك كان لابدّ من التخلّص منه يوم الثاني والعشرين من نوفمبر 1989. لم يكن مطلوبا التخلّص من رينيه معوض فحسب، كان مطلوبا ايضا ان تكون المناطق ذات الاكثرية المسيحية في لبنان تحت سيطرة الجيش السوري. هذا ما استطاع ميشال عون تأمينه في الثالث عشر من اكتوبر 1990 عندما مكّن الجيش السوري من دخول قصر بعبدا ووزارة الدفاع.

الى الآن، لم يتغيّر شيء في لبنان. لا يزال ميشال عون اداة سورية. ربّما كانت ميزته الوحيدة مقارنة مع الادوات الاخرى انه قابل لإعادة التأهيل من جهة وللتنقل بسهولة لا توصف بين الحضنين السوري والايراني من جهة اخرى. انه يصلح لكلّ المناسبات والفصول ما دام الهدف تهجير اكبر عدد من اللبنانيين من لبنان.

تشير الارقام الى ان اكبر هجرة للبنانيين في العصر الحديث، وللمسيحيين خصوصا، حصلت في مرحلة وجود ميشال عون في قصر بعبدا بين العامين 1988 و1990. تلت ذلك هجرة اخرى في 2006 و2007 عندما افتعل «حزب الله» حربا مع اسرائيل ثمّ انطلق من هناك للاعتصام في الوسط التجاري لبيروت استكمالا للحرب الاسرائيلية على لبنان. كان ميشال عون، ولا يزال الى اليوم، الحليف الاوّل لـ«حزب الله» الايراني في عملية تدمير لبنان وافقار اللبنانيين وتهجيرهم ونشر البؤس وتدمير مؤسسات الدولة. لا استعمال يذكر له الاّ في هذا الحقل الذي برع فيه على نحو استثنائي.

كلّما مر يوم يتبين مدى الاذى الذي الحقه ميشال عون بلبنان واللبنانيين، خصوصا المسيحيين منهم. يكفي انّه سمح للجيش السوري في مرحلة ما بعد 1990 بوضع يده على كلّ الاراضي اللبنانية كي لا يعود هناك ملجأ لمعارض، او حتى لمعترض مسيحي او مسلم على الوصاية السورية.

في السنة 2012، يتابع هذا الشخص مسيرته الهادفة الى تفتيت الوطن الصغير. لا شكّ انه مؤذ لبلده ومواطنيه. لكنّ ما يدفع الى بعض التفاؤل ان كلّ رهاناته كانت خاطئة. راهن على صدّام حسين وهو يراهن الآن على بشّار الاسد وعلى «حزب الله». رهانات ميشال عون تشير الى ان الرجل مريض، لكنّ المشكلة في ان لبنانيين مسيحيين ما زالوا يؤمنون به. هل هذا ذنبهم ام ذنبه... ام ذنب انعدام الثقافة السياسية لدى كثيرين اعمتهم الطائفية والمذهبية والغرائز البدائية لا اكثر ولا اقلّ؟