خيرالله خيرالله / إعادة الحياة إلى الاتحاد المغاربي... من أصيلة !
1 يناير 1970
10:01 م
| خيرالله خيرالله |
الموعد مع أصيلة يتجدد سنويا. كم هي مدهشة أصيلة؟ مدهشة من خلال القدرة على التجدد التي يمتلكها موسمها الثقافي الدولي الذي بلغ هذه السنة الرابعة والثلاثين من العمر. الموسم لا يزال في بداية شبابه التي تضمنها القدرة على التطور مع ما يدور في العالم الحضاري.
تكمن اهمية الموسم السنوي لأصيلة، المدينة المغربية الصغيرة المطلة على المحيط الاطلسي، في مواكبته للمستجدات مغربيا ومغاربيا وعربيا ودوليا. انّه يواكبها سياسيا وثقافيا واجتماعيا وفنّيا عبر سلسلة من التظاهرات امتدّت على نحو اسبوعين. لم تعد أصيلة حدثا عربيا او مغاربيا عارضا. صارت محطة ثابتة من المحطات السياسية والثقافية في المنطقة.
صحيح ان أصيلة مدينة اطلسية، الاّ ان الصحيح ايضا انها على مرمى حجر من المتوسط ومن ضفّته الاوروبية نظرا إلى انها لا تبعد عن طنجة، المدينة المتوسطية- الاطلسية اكثر من خمسة وثلاثين كيلومترا. أصيلة مدينة مغربية، لكنّها ايضا على مرمى حجر من اوروبا وهي موقع جغرافي مميّز بالنسبة إلى التعامل مع المنطقة وكلّ ما هو حضاري في العالم. لذلك تهتم أصيلة بالحوار بين ضفتي المتوسط وبحقوق المرأة ودورها في «الربيع العربي». كذلك أصيلة في وسط الحركة الثقافية المغربية، خصوصا في مجال الرسم. كان لهذا المجال موقعا خاصا في الموسم الرابع والثلاثين. كان هناك معرض تشكيلي لجيلين من الفنانين منذ بداية الستينات من القرن الماضي إلى الآن... كان المعرض رائعا بالفعل وشكّل بحد ذاته جهدا استثنائيا في سياق ابراز اهمية بعض الثروة الثقافية المغربية المتمثل في هذا العدد الكبير من الفنانين التشكيليين.
كان اتحاد المغرب العربي «ضيف الشرف» لموسم السنة. مثل هذا الخيار موفق وفي مكانه وتوقيته الصائب على الرغم من قول السيد محمد بن عيسى ان انعقاد مثل هذه الندوة في أصيلة «تأخّر». قد يكون هذا التقويم صحيحا، ولكنّ ما لا يمكن تجاهله في الوقت ذاته ان ظروفا جديدة فرضت على الدول الخمس في الاتحاد المغاربي الالتقاء مجددا والبحث في ما يمكن عمله في مواجهة التحديات المستجدة التي لم تعد توفّر اي دولة من دول المنطقة، بمن فيها الجزائر.
وبن عيسى هو وزير الخارجية المغربي السابق والامين العام لـ«مؤسسة منتدى أصيلة» وهو ايضا رئيس البلدية. انه رمز نجاح المدينة الصغيرة التي تحولت خلال فترة قصيرة من قرية للصيادين إلى تجمع سكّاني متوسط الحجم... لم يعد ينقصه سوى فندق فخم يليق بأصيلة وبما باتت تمثله المدينة.
صيف السنة 2012 هو الوقت المناسب لتناول قضية مهمة مثل «دور النخب في افق بناء الاتحاد المغاربي». السبب في غاية البساطة. انه عائد إلى كون المنطقة كلّها في مرحلة مخاض في ضوء التغيير الجذري الذي حصل في تونس وليبيا من جهة والخطر الذي بات يمثله الارهاب الذي مصدره الشريط الصحراوي على كلّ دول الاتحاد المغاربي من جهة اخرى. من لديه اي شكّ في مدى انعكاس ذلك على الاتحاد المغاربي يستطيع العودة بالذاكرة إلى الماضي القريب. قبل سنوات قليلة، نسيت الدول الاعضاء في الاتحاد المغاربي وجود مثل هذا التكتل. قبل اشهر قليلة تغيّر كلّ شيء على الرغم من ان الاسباب التي ادّت إلى وضع الاتحاد الذي انعقدت قمته الاخيرة في العام 1994 في الثلاجة لا تزال قائمة. في مقدم هذه الاسباب ازمة مفتعلة اسمها الصحراء الغربية، وهي ازمة مغربية- جزائرية بامتياز، وبقاء الحدود مغلقة بين قطبي الاتحاد، اي المغرب والجزائر منذ العام 1994.
فجأة، عادت الحياة إلى الاتحاد المغاربي. انعقد اخيرا اجتماعان على مستوى وزراء الخارجية للبحث في ما تشهده المنطقة من تطورات، خصوصا تحول شمال مالي قاعدة لارهاب «القاعدة». لم تعد ازمة الصحراء الغربية حاجزا يحول دون التنسيق الامني بين دول الاتحاد. لم تعد الجزائر تسعى إلى اقصاء المغرب عن التعاون الامني بين دول المنطقة. شيئا فشيئا تعود العلاقات بين دول الاتحاد. موسم أصيلة يتابع هذا التطور وقد بحثت الندوة التي خصصت لـ «دور النخب في افق بناء الاتحاد» في ما يمكن عمله من اجل العودة بالمنطقة إلى علاقات طبيعية بين دولها. ذهب محمد بن عيسى إلى حد تأكيد ان «الاتحاد المغاربي ليس خيارا استراتيجيا لا محيد عنه فحسب، بل انه ايضا خيار حياة لقهر الفقر والجهل والظروف الصعبة التي تمر بها شعوبنا. اما نكون اولا نكون».
وذهب الاستاذ الجامعي الجزائري واسيني الاعرج إلى ابعد من ذلك بقوله انّ «المغاربية لم تعد خيارا. صارت قدرا». واغنى الزميل عبدالله السيّد ولدباه عميد كلية الآداب والعلوم الانسانية الموريتانية سابقا الندوة بتركيزه على اهمية «منظور الافق الساحلي- الصحراوي في مشروع المغرب العربي». واشار في هذا المجال إلى ان «ما نريد ان نخلص اليه هو ان احياء المشروع الاندماجي في المغرب العربي لا بدّ ان يراعي معطيات وحقائق المعادلة الجديدة في منطقة الساحل والصحراء بدل الاكتفاء بالقبلة المتوسطّية الشمالية التي لا خلاف في شأن اهمّيتها الاستراتيجية».
كان النقاش المتعلّق بمستقبل الاتحاد المغاربي أكثر من مفيد. لم يكن دليلا على الدور الطليعي لموسم أصيلة في متابعة الاحداث ومواكبتها فحسب، بل اعطى ايضا فكرة عمّا يمكن ان تساهم به مؤسسة ثقافية تهتم ايضا بدور المرأة على كلّ صعيد في مجال تطويرالفكر السياسي في منطقة تحتاج اوّل ما تحتاج إلى تخلي بعض زعمائها عن عقدة اسمها وهم الدور الاقليمي...