مسافات حلم / البدوي الكويتي الأخير!

1 يناير 1970 06:18 ص
| حمد الحمد |

في الدراسات الاجتماعية هناك قناعة بأن المجتمعات، التي تتألف من جنس واحد أو طائفة واحدة أو ذات أصل واحد إنما هي مجتمعات أقل تطورا، وأقل تقدماً عن غيرها من المجتمعات الأخرى، وضرب أحدهم مثلاً بالمجتمع الصومالي فهو يتكون من جنس واحد لهذا فهو في انتكاسات وصدامات لم تتوقف منذ أكثر من عقدين من الزمان.

إذا التركيبة السكانية للمجتمع لها أثر بالغ في التقدم والتأخر، وعندما نأخذ النموذج الكويتي نرى المجتمع يتكون من فئات مختلفة، وكذلك طوائف وأصول مختلفة، فهناك فئات من أصول نجدية وفارسية وشمالية وبدوية وغيرها، ولكن الجميع انصهر تحت مسمى «كويتي».

وعندما نتداول كويتي من أصل نجدي أو فارسي أو بدوي، لا تعتبر هذه صفات دونية إنما فقط تحدد مرجع أصول أجداده ومن أين قدموا، هذا التشكيل المجتمعي المتنوع خلق المجتمع الكويتي المتجانس منذ أكثر من ثلاثة قرون.

قبل أسبوع تناقلت القنوات الإخبارية خبر صدام بين أبناء القبائل البدوية والسلطات الأمنية في الكويت، وشاهدنا الصور المزعجة التي والحمد لله مرت بسلام، وتلك الصور كانت على أثر منع اقامة الانتخابات الفرعية لبعض القبائل كما ذكر.

مصطلح أبناء القبائل أو البدو أصبح يتردد بكثرة على الألسن في السنوات الأخيرة، رغم أن في الكويت لا يوجد بدو بالمعنى الصحيح، إنما مواطنين كويتيين من أصول بدوية، بمعنى معظم هؤلاء الذين هم ممن هذه الفئة لم يعيشوا في الصحراء، إنما هم أبناء المدن الضواحي والحاضرة.

نعود لكلمة «بدو»... فهذه الكلمة تستخدم في الصين فيقال بدو الصين أو بدو آسيا الوسطى، وتعنى فقط أهل البادية أو الصحراء، وأنا شخصياً أرجع كلمة بدو إلى البداية، حيث أن أهل الصحراء في حياتهم يتعاملون مع الواقع المعاش بأسلوب بدائي، كما لا يخلقون حضارة إنما يتنقلون في الصحراء أين وجد المأكل والمرعى والأمن، وغير مرتبطين بأرض محدده، وهؤلاء لم يختاروا هذه الحياة إنما قبل أكثر من خمسة عقود كانت الأرياف والقرى بيئة طاردة لقلة مصادر الرزق، لهذا كانت الصحراء أرحب وأوسع وأكثر خيراً وأكثر حرية، وبخاصة عندما يعم الخير والأمطار وتزدهر ورود الربيع.

وحتى نؤكد أن أهل الكويت بدو بطبيعتهم، نراهم يتركون منازلهم الفارهة ويقيمون في الصحراء في خيمة صغيرة تلعب بها الرياح، ويراقبون النجوم ليلاً بغبطة وسرور لا تغطيهم أسقف، أسمنتية.

وأهل البادية لهم قوانينهم والتقاليد المتعارف عليها. ولكن هذه القوانين والأنظمة غير مكتوبة أو مدونة، وهذا ساهم في قلة المنازعات والحروب بينهم حتى أمد قريب، وهنا نذكر عندما سعى الملك عبد العزيز لتوحيد الجزيرة من أجل خلق دولة مركزية لها نظام متعارف عليه ومدون، رفض أبناء القبائل وكان الصدام في معركة «السبلة» التي كانت الكفة لصالح عبدالعزيز بن سعود، وعندما أراد الملك الموحد التعامل مع العالم لخلق دولة حديثة رفض هؤلاء سواء من أهل البادية أو الحضر المتدينين، التعامل مع الأميركيين الذين قدموا لاستخراج البترول، وقالوا له: «لا نريد أموال النفط فزكاة الشعير تكفينا»!

ولكن عرف الملك عبد العزيز أن الفكر القبلي القديم لا يتوافق مع خلق دولة حديثة، وسعى لتكون المملكة تحت نظام مركزي، وعلى أثر ذلك دخلت القبائل في النظام السياسي الجديد، وتوقفت الحروب التي تنشأ بين القبائل وعم الأمن والسلام بين جميع أفراد المجتمع، وهذا لم يتحقق منذ بداية التاريخ في الخليج الجزيرة العربية.

ما نود قوله أن الفكر السياسي الحديث لا يتوافق مع الفكر القبلي القديم، الذي يقوم على العصبية وغير المدون، والقوانين التي تحددها الدول الحديثة تلزم الجميع بإتباعها لهذا يشعر المواطن بالمساواة والأفكار القبلية غير محددة المعالم لهذا يمكن اختراقها.

يفترض ألا نستعمل كلمة «بدو»... فالبدوي الكويتي الأخير الذي عاش في الصحراء قبل الخمسينات الآن أدى دوره في الحياة فهو غير فاعل، وإنما أبناؤه وأحفاده هم أبناء الحاضر والمدن والضواحي، والذين لا علاقة لهم بالصحراء وعصبيتها، فالإنسان في الصحراء ولاؤه للقبيلة ولكن في المدن والحواضر ولاؤه للوطن، ولكن هذا لا يمنع تعاطفه مع أبناء قبيلته فالقبيلة هي عائلته كبيرة.

ما نود قوله ان على أبناء وأحفاد البدوي الأخير محاولة فهم إشكالية القبيلة والوطن، ومحاولة الثورة على من يجرهم إلى الخروج على قوانين الدولة، بل رفضها من أجل مصالح خاصة به، لأن أي إخلال بأمن الدولة من أجل القبيلة إنما هو إسقاط للوطن والإنسان.


[email protected]