علي محمد الفيروز / إطلالة / هل يبتعد مشرف بإرادته؟

1 يناير 1970 01:09 ص

لم يبد الرئيس برويز مشرف أي إشارة لغاية وقتنا هذا تدل على نيته في الاستقالة من منصبه طواعية على الرغم من أنه  ليس من صالحه التمادي أكثر من ذلك خاصة مع الموقف الحكومي الرافض له، فالحكومة الائتلافية الجديدة تتمتع بأكثر من أغلبية الثلثين في البرلمان، و88 في المئة من الشعب الباكستاني يساند الائتلاف الجديد الذي يمثل «حزب الشعب» فضلا عن رفضه بقاء الرئيس مشرف في منصبه، وقد رشح «حزب الشعب» الرئيس السابق للـ «الجمعية الوطنية» يوسف رضا جيلاني لتولي منصب رئاسة الوزراء لقيادة الحكومة الائتلافية والأمة، وبموجب أحكام الدستور الباكستاني لعام 1973 أدى رئيس الوزراء الجديد جيلاني اليمين الدستورية أمام الرئيس برويز مشرف في القصر الرئاسي حسب ما تمليه قواعد البروتوكول، في حين انتهز الرئيس مشرف هذا الموقف ليؤكد من جديد أنه على استعداد للتعاون مع رئيس الحكومة الجديد تعاوناً كاملاً، آملا من جميع القوى الباكستانية أن تتحد مع بعضها البعض ليكونوا فريقا واحدا ضد الإرهاب، والعمل على إصلاح الأوضاع الاقتصادية المتردية بالبلاد. أما رئيس الوزراء الباكستاني الجديد يوسف جيلاني، الذي أمضى خمسة أعوام وراء القضبان بتهمة الفساد، فقد بدأ بهجوم مرتب على الرئيس مشرف عن طريق التلويح بعزله سياسيا وشعبيا عن طريق التنسيق مع «حزب الشعب» و«الرابطة الإسلامية - جناح نواز»، وإعادة النظر في قرارات مشرف الديكتاتورية الإنفرادية التي بدأت من 11 سبتمبر عام 2001، والعمل على فتح ملف أحكام الطوارئ التي فرضها، وفي أول خطوة إصلاحية بالبلاد بادر جيلاني، فور انتخابه رئيسا بالأغلبية الساحقة، بتحدي مشرف عن طريق إطلاقه سراح جميع القضاه والمحامين يتقدمهم افتخار شوردي الرئيس السابق للمحكمة العليا، ذلك أنهم كانوا قد وضعوا تحت الإقامة الجبرية في نوفمبر العام الماضي، وبذلك يكون جيلاني قد أعاد جزءا من الحرية والديموقراطية إلى باكستان بفضل التضحية الكبرى التي قدمتها الراحلة بنازير بوتو، ناهيك عن مطالبته بفتح تحقيق جديد في اغتيالها على أن يكون من قبل الأمم المتحدة لمعرفة حقيقة النتائج، ثم إصدار اعتذار رسمي عن شنق والدها ذو الفقار علي بوتو، الذي أعدم شنقا بأمر من الجنرال ضياء الحق حينما استولى على السلطة في انقلاب رئاسي عام 1979.

 إن التحديات والصراعات التي تواجه زعماء «حزب الشعب» تدل على أن الحكومة الائتلافية الجديدة تسعى إلى تكريس أجندة تتمثل في نشر المزيد من الحريات لإعطاء الشعب الباكستاني حقوقه وواجباته عن طريق الديموقراطية وهو عكس ما كان يطمح إليه الرئيس الديكتاتوري برويز مشرف، فقد استخدم الرئيس مبدأ الحرب على الإرهاب بالتعاون مع الولايات المتحدة للاستمرار في سلطته من دون التوجه إلى استشارة أعضاء البرلمان أو الحكومة، وهو الأمر الذي يتنافى مع رغبات الشعب الباكستاني، لذلك يكرر رئيس الوزراء السابق نواز شريف دعوته إلى الرئيس مشرف بتقديم استقالته قبل أن يكون عبئا على الحكومة والبرلمان الجديد، ليفسح المجال للبرلمان الجديد أمام انتخاب رئيس باكستاني جديد، بيد أن الرئيس مشرف متمسك بمنصبه ويتعهد مرارا بدعم الحكومة الجديدة أي كان نوعها وتوجهاتها، مؤكدا أنهم سيحظون على دعمه اللامحدود في محاربة الإرهاب والتطرف، كما أنه من خلال العرض العسكري الذي أقيم بمناسبة العيد الوطني في البلاد حض الشعب الباكستاني على تطبيق الوحدة لمواجهة التحديات الداخلية والخارجية، مشددا على أن باكستان يعيش على مفترق طرق مع المتغيرات التاريخية، وتحديات مدنية تفرض على الجميع التمسك بالوحدة الوطنية، وهي إشارة واضحة على التقرب الرئاسي مع الحكومة الائتلافية الجديدة!

إذاً هناك مقاربات سياسية بين جيلاني ومشرف من ناحية ملف مكافحة الإرهاب والتطرف واعتماد حلول سياسية في هذا الأمر، وهذا ما أكده رئيس الوزراء الجديد للرئيس الأميركي جورج بوش من خلال المحادثات، فقد أكد بأنه سيحارب الإرهاب بجميع أشكاله لأن ذلك يخدم المصلحة الوطنية على أرض الواقع، كما شدد على أن بلاده سوف تحافظ على علاقات متينة مع الولايات المتحدة على المدى البعيد، الأمر الذي جعل الرئيس الأميركي جورج بوش يمهد الطريق إلى مساعدة باكستان وذلك بمئات الملايين من الدولارات من أجل تنشيط ملف مكافحة الإرهاب والتطرف ومواصلة التعاون بجدية مع الحكومة الائتلافية الجديدة حتى تكتمل الديموقراطية فيها ويستتب الأمن والأمان، كما قرر الرئيس بوش استثناء باكستان من القيود التي يفرضها القانون الأميركي بشأن المساعدات، وتكريس ميزانية تبلغ نحو 300 مليون دولار للعام الحالي تتطلب موافقة الكونغرس الأميركي عليها، وكل هذا بعد أن كانت قد سادت شكوك حول استمرار التعاون بينهما. وفي سياق متصل، للمرة الأولى في تاريخ باكستان انتخب البرلمان الجديد في أولى جلساته العلنية نائبة عن «حزب الشعب» وهي الدكتورة فهميدا ميزرا وهي القيادية البارزة في حزب رئيسة الوزراء السابقة بنازير بوتو، وبهذه الخطوة الجريئة تكون الدكتورة ميزرا أول امرأة تترأس «الجمعية الوطنية» منذ تأسيس باكستان، وقد تمت الموافقة على ذلك بالاتفاق مابين «حزب الشعب» و«حزب الرابطة الإسلامية - جناح نواز» الذي يترأسه المعارض نواز شريف، ذلك أنهما يمتلكان أكثر المقاعد البرلمانية في البلاد، وقد أعرب المجتمع الدولي عن سعادته بهذه الخطوة التاريخية التي تخطوها باكستان. إنها خطوة ديموقراطية تساهم في تحسين صورة باكستان أمام العالم.

الخبراء والمراقبون السياسيون يتوقعون حدوث مواجهة غير طبيعية بين الحكومة الجديدة والرئيس برويز مشرف الذي استولى على السلطة عام 1999، وهذا بعد أن أصبح مشرف موضوع جدل كبير ولم يعد قادرا على قيادة بلده، فهل لديه استعداد للتخلي عن منصبه طواعية في الأيام المقبلة أم أن البرلمان الجديد سيسقطه سياسيا وشعبيا؟ ولكل حادث حديث.


علي محمد الفيروز


كاتب وناشط سياسي كويتي

[email protected]