الماضي... فعل مضارع

1 يناير 1970 03:41 م
| بقلم: فيصل عمر الهاجري |

لو كان خيار الموت متاحاً لما مات أحد، ولو كان على مراحل لما كانت هناك أي مرحلة، تماماً كالماضي حين يكون مظلماً، إلا أنه لا ينطفئ. يظل يضيء في العتمة. يسري في العروق التي إذا انقطع جزءٌ منها تقطعت ونزف الدم. تتوقف الحياة ولا نجاة الاّ بالموت!

صعب أن تخلع الماضي عنك، والأصعب أن تقتله، ماضيك جزء منك يظل عالقاً بك أياماً، وربما سنوات، وربما لحظات لا تستطيع حذفها من عمرك، قد تخفيها أو تظللها في لحظة ما، موقف ما. تقف أمامك في صحوك أو في منامك، تقول لك: ها أنا يا أنت لا تنتظر مماتي، لن أموت إلاّ بعد مماتك. وربما لحظات أو سنوات!

وليس كل الماضي أسودَ أو رماديا، ثمة ماضٍ أبيض، مثل شمس لا تغيب، هذا الماضي لا تفرط باسقه من عرقك ليكبر، اصعد معه إليك، اتكئ على ظله حين تتعثر، تدثر به إن بردت، استمع إليه إن أزعجتك ثرثرة من حولك، أو راودك كابوس يعكر صفو أحلامك.

تذكر ماضيك الجميل كلما تراكم القبح في الطريق، وثقل الضباب في الضياء، استأنس به حين يطول الغياب، اتخذ منه جسراً بينك وبين نفسك، وحين تعبر النهر أعده الى مخبئه فيك، فقد تحتاجه مرة أخرى في نهر غير بعيد.

العمر نتائج الماضي، والحاضر ماضي الغد. وهو المستقبل المؤجل، ثمة ماضٍ مستمر لا يتوقف، بل يتعفف عن الظهور احتراماً للحاضر الذي يتكوّن، وأيضاً للحاضرين معك على مأدبة الحياة المتقلبة كموسم الفصول الأربعة.

لا تقل كنتُ بصوت مرتفع حتى لا تكون جزءاً من الماضي أمام الحاضرين، قلها بينك وبينك ليكون ماضيك جزءاً منك، دع ملامحه فيك لا عليك، ولا تدعه يتحدث بلسانك.

لا تخجل من ماضٍ مكتوب بالفحم في صفحتك، إردم فوقه أكواماً من النور، ومع الزمن لن تراه ولن يراك، يظل فيك ولا يؤثر عليك، وإن كان محفوراً في روحك كثقب عميق فعليك بحديد آرائك، وحجارة تعبك، واجعل من نفسك صخرة لا تتفتت.

الماضي أنت فلا تتخل عنك سلباً كان أو إيجاباً، تخيّل الفقر صديقاً لا بد منه، تعامل معه بغنى النفس لا بغنى القرش، لا تكن فاسداً كالفاسدين، فتزيد ثقب السفينة اتساعاً وتسرع في الغرق، كن عفيفاً نظيفاً فما ثقب الأوزون الذي أفسد هواء الأرض إلاّ السواد الذي استفحل في الأرض، ليس في العالم من لم يخطئ. لم يكذب. لم يستغب. لم يحشر نفسه بين الشخص وظله وبين الآخر والآخر. لكن الغفران ممنوح، والعتب موجود، وما للانسان إلا اخوه الانسان، لكن بحدود. فما يزيد عن حده ينقلب الى ضده، ولا يصح الا الصحيح مهما طال الخطأ.

كن ابيضَ ترى في روحك البياض. فكم يحتاج الانسان في هذا الزمن الأسود إلى بقعة بيضاء من غير سوء؟!



FaisaiBnOmer@