إشراقات النقد / المفارقات الإنسانية في عوالم قصيدة الشاعر البحريني قاسم حداد

1 يناير 1970 12:15 ص
| سعاد العنزي |

ثمة شعراء يعتبر الحديث عنهم مغامرة شائكة تحسب لهم او على مقارب تجربتهم الشعرية الغامضة والمبهمة والواضحة الشفافة في آن واحد**. فهم شعراء يراوغون النص والعلامة منحرفين تارة عن جادة الطريق، وموغلين تارة في باب الوضوح الشديد، يجوبون ضفاف اللامألوف ويساورون المعاني بما لم يساورها بهم غيرهم، يفجرون آفاق المعاني المتعددة مرات، ويخذلون أفق التلقي والتوقع والترقب كثيرا، ويتركون فجوات القراءة للمتلقي مفتوحة على كل الأصعدة، رموزهم الشعرية علامات وأيقونات متحولة باستمرار ومتجددة معانيها، وقراؤهم لا يلبثون أن يمسكوا بزمام معنى حتى يتسرب ويصبح كالسراب يحسبه الظمآن ماء، او كقابض على الماء خانته فروج الأصابع. هم شعراء التحموا في تجاربهم مع التاريخ كله والموروث الشعبي والقصص الديني والفكر الفلسفي والسياسي، فجاءت نصوصهم شبيهة بفسيفساء من الصور والأشكال كونت أركان النص وخرجت إلى النور بفكرة جديدة ومتحولة بمعنى وصورة يغايران ماجاء بنص سابق أو سيجيء بنص لاحق. فهم من ذلك النوع من المبدعين الذين يتحولون تحولات ديناميكية مستمرة ومتجددة تصب في نهر المعرفة الإنسانية الخلاقة والمتجددة التي تضفي شيئا إلى عالم الإنسانية والفكر الإنساني.

قراءة مثل هؤلاء الشعراء تكون محاولة الوقوع في فخ البينية أي بين البينين: بين انفلات الفهم الصحيح للمادة الشعرية من مسارات القراءات المقاربة للصواب إلى قراءة قد تكون طفيلية على عالم النص والمضامين المعرفية والجمالية التي يقترحها النص.

حقيقة اقول كل هذا الكلام كمقدمة في التماس أي سبب من الأسباب المنطقية الواردة مسبقا لإخفاق أفق التلقي والقراءة لشاعر اعتاد فن المراوغة والكر والفر في مكابداته الشعرية المضنية في البحث عن روح الإنسان الحقيقية، أو في تقديم نصوص شعرية ناقدة لإخفاق الإنسانية في الحفاظ على روح الإنسان الذي دمرته الآلة والآلية التقليدية في التعاطي مع أمور الحياة. وهو كذلك لا يفتأ يتذكر ويذكرنا بقصص ومحطات تعد عتبات أساسية في فهم وتفسير البنى العميقة لأي ظاهرة من ظواهر الفساد الإنساني والظلم والقمع والتخلف، كما إنه كذلك يحفر في بنى القصص القديم باحثا عن بداية الفج والشرخ في الحضارة العربية التي لا تلبث أن تكرر نفسها. فشاعرنا تجربته في الشعر لصيقة جدا بتجربة ميشيل فوكو في الكتابات الفكرية والمعرفية، وفي ترسيخ أركولوجيا المعرفة أي حفريات المعرفة، التي كان من خلالها يحفر بعمق بتاريخ ظواهر الفساد والظلم والقمع والوحشية، فلا تستطيع أن تكفكف عنك زخات الدهشة الهاطلة عليك بقوة فكرتها وعمقها الذي يمس جذور الإشكاليات العالقة في الحياة الإنسانية مند آلآف السنين. فالشاعر البحريني قاسم حداد هو واحد من الذين يحفرون في تاريخ إنسانيتنا/ وحشيتنا عبر بوابة القصيدة ودهاليزها العميقة التي تحمل الظلمة والنور. هو أبسط ما يقال عنه إنه تجربة من التجارب الإبداعية الشعرية المرتكزة في تاريخ القصيدة العربية الحديثة ناذرة حرفها تميمة للنجاة من بئر الموروث والتقليدي عبر نسق مغاير وغير تقليدي منفتح على أبواب الحداثة والتفكيك يفكك أسرار البنى القديمة التي اورثتنا الهزائم تلو الأخرى فأصبحت تباريحه الليلية رديفة لعزلة المفكر والمثقف الذي أعطى وأعطى الكثير فوجد الرفض والقذف والطعن بذاته جزاء مجزيا لهذه الرحلة المحملة بشوك السفر وشوك العودة إلى بلاد لا تفتح الأبواب لمن ينفضون عباءة التاريخ لينقبوا عن أسباب الأزمات المتوالية على بلدانهم. «وهذا سيتضح في جزء لاحق لهذا المقال عن الحديث عن ثيمة ذات الشاعر المثقف والمجتمع التقليدي المحافظ.

كذلك الشاعر في مجاميع إنتاجه الشعري/ السردي الزخم يؤكد على فكرة التحول والتعدد والتجدد الذي يصب في معنى واحد ويركز على أفكار تنبثق من إطار معرفي وفلسفي يتمركز حول الاشتغال على نقد النزعة اللاإنسانية في البشر المتأتية من وراثة تاريخية متوالدة ومتعاقبة الواحدة تلو الآخرى من مثل ما يقول في قصيدة «يوسف» من ديوان «قبر قاسم» بأن آليات الظلم والقمع لا تتغير حتى بعد مرور ألف عام :

«في نزهة الضباع

ليلٌ يتعثر بقفطانه المتخبخب ويكبو عند المنعطفات.

سمعت المرأة صرخة ولدها الغريب

كأنها تلده الآن

رأته، في ما ترى الثاكل،

كانت حيوانات الشمس ورائي،

وأنا أطويك في المكان الذي لا يطالونه».

وحين عبرت النهر،

أيقظت لك زرقة النوم، ورأيت لك نيزك الحلم

لكنك الآن في الغدر

في الغدر والمؤامرات.

هل أنت يوسف وإخوتك لا يحصون».

فالنص السابق، وبالمشهد الأخير منه يقدم لوحة شعرية سردية تؤثث فضاء القصيدة بسرد امرأة لقصة ابنها إذ تتوافر عناصر السرد كاملة من مثل: «المكان: نزهة الضباع، والوقت ليلا وأليل و ماله من دلالات على عالم الغدر والخديعة والظلم والاستبداد، والشخصيات : المرأة وشبيه يوسف والأخوة الغادرين، والفعل الظلم والغدر والمؤامرات». ولنلاحظ هنا في عنصر التناص مع القصص القرآني والديني، اذ حول الشاعر الشخصية التاريخية من الأب يعقوب للأم دلالة على عدة أمور من أهمهما تقارب دلالة المرأة على الدنيا وفكرة الولادة التي تشير إلى معنى الخلق والتجدد التي أراد بها الشاعر التأكيد على استمرارية تكرر وتوافد وتناسل فكرة الظلم وشخصياته ورموزه بين يوسف وأخوته.

فمن النص السابق، نستطيع الحديث عن فكرة تحويل القصة الشعرية هنا من الخاص «التعبير عن شخص يصارع رموز الغدر إلى المطلق العام، فتغدو القصة قصة عالمية قابلة للتعميم في الكون بين ظالم، مظلوم، غادر، مغدور، ومؤامرات ودسائس، ينفتح التاريخ للحديث عنها من دون كلل ولا ملل ولا نهايات. وهي فكرة ما أشبهها بفكرة الفساد والتطبيع الحاصل له في المجتمع عند الفيلسوف الفرنسي بيير بورديو.



* ناقدة وكاتبة كويتية

[email protected]

* قاسم حداد، ديوان «قبر قاسم»، الكلمة للنشر والتوزيع، البحرين، الطبعة الأولى، 1997.