زاوية نعرض من خلالها لكل ما يعن لقراء «الراي» الأعزاء من أسئلة تتعلق بالعقيدة الاسلامية، وتحتاج الى توضيح وبيان، يجيب عنها الأستاذ الدكتور وليد محمد عبدالله العلي، امام وخطيب المسجد الكبير، واستاذ العقيدة بكلية الشريعة والدراسات الاسلامية جامعة الكويت.
وللتواصل على (تويتر) @drwaleed _ alali او ايميل الجريدة (
[email protected]) أو فاكس رقم: (24815921)
عنوان سعادة العبد
وعلامة فلاحه في الدارين
إنَّ عُنوان سعادة العبد؛ وعلامة فلاحه في دُنياه وأُخراه: أن يكون ممَّن إذا نعم الله عليه شكر، وإذا ابتلي صبر، وإذا أذنب استغفر، فهذه الأُمور الثَّلاثة: لا ينفكُّ عبدٌ عنها أبداً، فإنَّ العبد دائمُ التَّقلُّب بين هذه الأطباق الثَّلاث.
نعمٌ من الله تعالى تترادف عليه، فقَيْدُها الشُّكر، وهو مبنيٌّ على ثلاثة أركانٍ: الاعتراف بها باطناً، والتَّحدُّث بها ظاهراً، وتصريفها في مرضاة وليِّها ومُسديها ومُعطيها، فإذا فعل ذلك: فقد شكرها، مع تقصيره في شُكرها.
مِحَنٌ من الله تعالى يبتليه بها، ففرضه فيها الصَّبر والتَّسليم، والصَّبر: حبس النَّفس عن التَّسخُّط بالمقدور، وحبس اللِّسان عن الشَّكوى، وحبس الجوارح عن المعصية؛ كاللَّطم وشقِّ الثِّياب ونتف الشَّعر ونحوه.
فمدار الصَّبر على هذه الأركان الثَّلاثة، فإذا قام به العبد كما ينبغي: انقلبت المحنة في حقِّه منحة، واستحالت البليَّة عطيَّة، وصار المكروه محبوباً، فإنَّ الله سُبحانه وتعالى لم يبتله ليُهلكه، وإنَّما ابتلاه ليمتحن صبره وعُبوديَّته. فإنَّ لله تعالى على العبد عُبوديَّة الضَّرَّاء؛ كما له عليه عُبوديَّة في السَّرَّاء، وله عليه عُبوديَّة فيما يكره؛ كما له عليه عُبوديَّة فيما يُحبُّ، وأكثر الخلق يُعطون العُبوديَّة فيما يُحبُّون، والشَّأن في إعطاء العُبوديَّة في المكاره، ففيه تتفاوت مراتب العباد، وبحسبه كانت منازلهم عند الله تعالى، فالوُضوء بالماء البارد في شدَّة الحرِّ: عُبوديَّة، والوُضوء بالماء البارد في شدَّة البرد: عُبوديَّة، ولكن فرقٌ عظيمٌ بين العُبوديَّتيْن، فمن كان عبداً لله في الحالتيْن؛ قائماً بحقِّه في المكروه والمحبوب: فذلك الذي تناوله قوله تعالى: (أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ) [سُورة الزُّمر: الآية 36].
فالكفاية التَّامَّة مع العُبوديَّة التَّامَّة؛ والنَّاقصة مع النَّاقصة، فمن وجد خيراً: فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك: فلا يلومنَّ إلا نفسه.
وهؤلاء هُم عباده الذين ليس لعدوِّه عليهم سُلطانٌ، قال الله تعالى: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلاً) [سُورة الإسراء: الآية 65]. ولمَّا علم عدوُّ الله إبليس أنَّ الله تعالى لا يُسْلِم عباده إليه؛ ولا يُسلِّطه عليهم: قال تعالى: (وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلاَّ فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ (20) وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (21)) [سُورة السبأ: الآيتان 20-21].
فلم يجعل لعدوِّه سُلطاناً على عباده المُؤمنين، فإنَّهم في حرزه وكلاءته وحفظه وتحت كنفه، وإن اغتال عدوُّه أحدهم كما يغتال اللِّصُّ الرَّجلَ الغافل: فهذا لا بُدَّ منه، لأنَّ العبد قد بُلِيَ بالغفلة والشَّهوة والغضب، ودخوله على العبد من هذه الأبواب الثَّلاثة، ولو احتزر العبد ما احتزر: فلا بُدَّ له من غفلةٍ؛ ولا بُدَّ له من شهوةٍ؛ ولا بُدَّ له من غضبٍ.
وقد كان آدم أبو البشر صلَّى الله عليه وسلَّم: من أحلم الخلق وأرجحهم عقلاً وأثبتهم، ومع هذا فلم يزل به عدوُّ الله حتَّى أوقعه فيه، فما الظنُّ بفراشة الحِلْم؛ ومن عقله في جنب عقل أبيه: كقطرةٍ في بحرٍ؟
ولكن عدوُّ الله لا يخلص إلى المُؤمن إلا غِيلة على غُرَّةٍ وغفلةٍ، فيُوقعه ويظنُّ أنَّه لا يستقيل ربَّه عزَّ وجلَّ بعدها، وأنَّ تلك الوقعة قد اجتاحته وأهلكته، وفضل الله تعالى ورحمته وعفوه ومغفرته وراء ذلك كُلِّه.
فإذا أراد الله بعبده خيراً: فتح له من أبواب التَّوبة والنَّدم والانكسار والذُّلِّ والافتقار والاستعانة به وصدق اللَّجوء إليه ودوام التَّضرُّع والدُّعاء والتَّقرُّب إليه بما أمكن من الحسنات؛ ما تكون تلك السَّيِّئة به رحمته، حتَّى يقول عدوُّ الله: يا ليتني تركته ولم أوقعه.
قال الحسن البصريُّ رحمه الله تعالى: (إنَّ المُؤمن ليُذنب الذَّنب: فما يزال كئيباً حتَّى يدخل الجنَّة).
ومعنى قوله: إنَّ الذَّنب لا يزال نصب عينيْه؛ مُشفقاً منه وجلاً باكياً نادماً؛ مُستحياً من ربِّه تعالى؛ ناكس الرَّأس بين يديْه؛ مُنكسر القلب له، فيكون ذلك الذَّنب: أنفع له من طاعاتٍ كثيرةٍ بما ترتَّب عليه من هذه الأُمور؛ التي بها سعادة العبد وفلاحه، حتَّى يكون ذلك الذَّنب: سبب دُخوله الجنَّة.
وهذا بخلاف من يفعل الحسنة؛ فلا يزال يمنُّ بها على ربِّه ويتكبَّر بها؛ ويرى نفسه ويعجب بها ويستطيل بها، ويقول: فعلت؛ وفعلت، فيُورثه من العجب والكِبْر والفخر والاستطالة: ما يكون سبب هلاكه.
فإذا أراد الله تعالى بهذا المسكين خيراً: ابتلاه بأمرٍ يكسره به ويُذِلُّ به عُنقه ويُصغِّر به نفسه عنده، وإن أراد به غير ذلك: خلاه وعُجْبه وكِبْره، وهذا هو الخُذلان المُوجب لهلاكه.
فإنَّ العارفين كُلَّهم مُجمعون على أنَّ التَّوفيق: أن لا يكلك الله تعالى إلى نفسك، والخُذلان: أن يكلك الله تعالى إلى نفسك، فمن أراد الله به خيراً: فتح له باب الذُّلِّ والانكسار ودوام اللَّجوء إلى الله تعالى والافتقار إليه ورُؤية عُيوب نفسه وجهلها وعُدوانها؛ ومُشاهدة فضل ربِّه وإحسانه ورحمته وجُوده وبِرِّه وغناه وحمده، فالعارف سائرٌ إلى الله تعالى بين هذيْن الجناحيْن؛ لا يُمكنه أن يسير إلا بهما، فمتى فاته واحدٌ منهما: فهو كالطَّيْر الذي فقد أحد جناحيْه.
فالعارف يسير إلى الله بين مُشاهدة المنَّة؛ ومُطالعة عيب النَّفس والعمل، وهذا معنى قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: (سيِّد الاستغفار: أن تقول: اللَّهُمَّ أنت ربِّي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شرِّ ما صنعت، أبوء لك بنعمتك عليَّ، وأبوء بذنبي، فاغفر لي، فإنَّه لا يغفر الذُّنوب إلا أنت) أخرجه البُخاريُّ عن شدَّاد بن أوسٍ رضي الله عنه.
فجمع في قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: (أبوء لك بنعمتك عليَّ، وأبوء بذنبي): مُشاهدة المنَّة؛ ومُطالعة عيب النَّفس والعمل.
فمُشاهدة المنَّة: تُوجب له المحبَّة والحمد والشُّكر لوليِّ النِّعم والإحسان، ومُطالعة عيب النَّفس والعمل: تُوجب له الذُّلَّ والانكسار والافتقار والتَّوبة في كُلِّ وقتٍ؛ وأن لا يرى نفسه إلا مُفلساً.
وأقرب باب دخل منه العبد على الله تعالى: هو الإفلاس، فلا يرى لنفسه حالاً ولا مقاماً ولا سبباً يتعلَّق به ولا وسيلة منه يمنُّ بها، بل يدخل على الله تعالى من باب الافتقار الصِّرْف والإفلاس المحض: دخول من كسر الفقرُ والمسكنةُ قلبَه؛ حتَّى وصلت تلك الكسرة إلى سُويدائه فانصدع، وشملته الكسرة من كُلِّ جهاته، وشهد ضرورته إلى ربِّه عزَّ وجلَّ وكمال فاقته وفقره إليه، وأنَّ في كُلِّ ذرَّةٍ من ذرَّاته الظَّاهرة والباطنة فاقة تامَّة وضرورة كاملة إلى ربِّه تبارك وتعالى، وأنه إن تخلَّى عنه طرفة عيْنٍ: هلك وخسر خسارة لا تُجبر؛ إلا أن يعود الله تعالى عليه ويتداركه برحمته، ولا طريق إلى الله أقرب من العُبوديَّة، ولا حجاب أغلظ من الدَّعوى.
والعُبوديَّة مدارها على قاعدتيْن؛ هُما أصلها: حُبٌّ كاملٌ، وذُلٌّ تامٌّ.
ومنشأ هذيْن الأصليْن عن ذَيْنِك الأصليْن المُتقدِّميْن وهُما: مُشاهدة المنَّة؛ التي تُورث المحبَّة، ومُطالعة عيب النَّفس والعمل؛ التي تُورث الذُّلَّ التَّامَّ.
وإذا كان العبد قد بنى سُلوكه إلى الله تعالى على هذيْن الأصليْن: لم يظفر عدوُّه به إلا على غِرَّةٍ وغِيلةٍ، وما أسرع ما يُنعشه الله عزَّ وجلَّ ويجبره ويتداركه برحمته.< p>< p>