خيرالله خيرالله / قمة دمشق... الفاشلة سلفاً!

1 يناير 1970 02:41 م

تنعقد القمة العربية في دمشق وسط طبل وزمر سوريين، وكأن استضافة العاصمة السورية قمة عربية إنجاز ضخم في حدّ ذاته. هل هناك ما يستطيع العرب الاتفاق عليه في دمشق أواخر الشهر الجاري؟ من يتمعن في مواضيع الخلاف العربية يكتشف ألا وجود لأي قواسم مشتركة بين الذين سيحضرون القمة. وهذا يعني في طبيعة الحال أن لقاء دمشق لا يقدّم ولا يؤخر. حسنته الوحيدة، في حال كانت هناك حسنة، أنه يساهم في إعطاء صورة حقيقية عن الوضع العربي عموماً. ولعل ما هو أهم من القمة، الفاشلة سلفاً، أنها تنعقد في الذكرى الخامسة للتغيير الذي حصل في العراق نتيجة الاجتياح الأميركي للبلد. أدى التغيير في العراق إلى خلط الأوراق على الصعيد الإقليمي. صارت إيران موجودة في كل مكان. وضعت يدها على جزء من العراق وصار النظام السوري تحت هيمنتها وأظهرت أنها تمتلك قرار الحرب والسلم في لبنان وحتى في فلسطين. إيران صارت في قلب دمشق وصارت تطل على البحر المتوسط بعدما تبين أنها اللاعب الأول والأهم في العراق. يمكن حتى الحديث عن دور إيراني في أحداث اليمن وفي البحرين ومناطق أخرى...

باختصار شديد، تنعقد القمة في ظل الفشل العربي في حل أي مشكلة من أي نوع كان، بما في ذلك أي من المشاكل الكبيرة كالعراق وفلسطين ولبنان... أو تلك التي تقل أهمية عنها. هل هناك موقف عربي ذو طابع عملي من دارفور؟ هل هناك موقف من نزاع الصحراء الغربية الذي يستخدم لابتزاز المغرب ليس إلاّ؟ هل من موقف من المؤامرة التي تتعرض إليها اليمن عن طريق تمويل الحوثيين ومدهم بالسلاح... أم لا بد من طمر الرؤوس في الرمال كي لا يكون موقف من عملية معروف من يقف خلفها، لا هدف لها سوى إثارة النعرات الطائفية والمذهبية في بلد عربي لم يعرف يوماً هذه الظاهرة؟ من حسن الحظ أن قطر تنبهت باكراً إلى خطورة ما يدور في محافظة صعدة ليس على اليمن فحسب، بل على المنطقة المحيطة به كلها، فسعت إلى التوسط وإلى وضع حد للحرب الدائرة في تلك المحافظة اليمنية المجاورة للمملكة العربية السعودية.

لنفترض أن دارفور والصحراء الغربية وصعدة وحتى الصومال مسائل ثانوية مقارنة مع العراق وفلسطين ولبنان، ما الذي يمكن انتظاره من القمة لدى تطرقها إلى الوضع العراقي؟ ماذا ينفع تشديد القمة العربية على وحدة العراق، في ما الكل يعلم أن البلد صار مقسماً، وأن السبب الحقيقي لتدني درجة العنف في بغداد لا يعود إلى زيادة عديد القوات الأميركية بمقدار ما أنه يعود إلى أن السنّة هجروا الأحياء ذات الأكثرية الشيعية، في ما هرب الشيعة من الأحياء ذات الأكثرية السنّية؟ من أجل التعاطي مع ما آل إليه الوضع العراقي، لا بد من وصفه على حقيقته بدلاً من الاكتفاء بالتعبير عن التمنيات. هناك بكل بساطة منتصر واحد، أقلّه إلى الآن، من الحرب الأميركية على العراق. اسم المنتصر هو النظام الإيراني الذي أيّد تلك الحرب منذ البداية وشجع الأميركيين عليها بوسائل مختلفة وتحول حالياً إلى صاحب النفوذ الأكبر في بغداد، فضلاً بالطبع عن الجنوب العراقي. يمارس هذا النفوذ عبر الحكومة العراقية مباشرة، نظراً إلى أن معظم الوزراء الشيعة فيها موالون له، أو عبر الميليشيات المذهبية التي تسيطر عملياً على جزء كبير من جنوب العراق الذي صار أقرب إلى محافظة إيرانية من أي شيء آخر. هذا هو الواقع العراقي المطلوب التعاطي معه. يضاف إليه بالطبع الحال الكردية في الشمال حيث كيان مستقل يرعى مصالحه أولاً!

في حال كان مطلوباً البحث عن فائدة ما للقمة العربية، لا مفر من التعاطي مع الواقع. ليس في استطاعة العرب عمل شيء في العراق. متى اقتنعوا بذلك، في استطاعتهم بعد ذلك الانتقال إلى طرح سؤال بسيط هو الآتي: ما الذي يمكن عمله وما الذي لا يمكن عمله؟ الأكيد أنه لم يعد في استطاعتهم عمل شيء في غياب القدرة على اتخاذ موقف واضح من الانقلابين اللذين تتعرض إليهما فلسطين ولبنان. في فلسطين يبدو الهدف واضحاً كل الوضوح. هناك قوى إقليمية على رأسها المحور الإيراني ـ السوري تعتبر أن الإطاحة بالسلطة الوطنية مكسب لها، وأن الصراع يجب أن يستمر إلى ما لا نهاية، أي حتى آخر فلسطيني حيّ يرزق، مادام بين أبناء الشعب الفلسطيني من على استعداد لأن يكون وقوداً في معارك وصراعات تخدم هذا الطرف الإقليمي أو ذاك.

وفي لبنان، لم تعد حاجة إلى تأكيد أن المبادرة العربية فشلت. فشلت لأن المحور الإيراني ـ السوري يريد استمرار الفراغ الرئاسي مادام ليس في مقدور دمشق فرض الرئيس الذي تريد. هل بين العرب من يستطيع الوقوف في القمة وقول هذا الكلام المباشر للرئيس السوري وسؤاله لماذا وضعت دمشق فيتو على من كان مرشح الوفاق في لبنان، أي قائد الجيش العماد ميشال سليمان؟ كل ما هو أقل من ذلك لا فائدة منه في ظل استمرار المحاولات الهادفة إلى وضع اليد على الوطن الصغير على طريقة وضع «حزب الله» يده على الطائفة الشيعية الكريمة وتغيير طبيعة الطائفة من الناحية الاجتماعية.

تبقى الجدوى الوحيدة من القمة، في حال هناك جدوى، أنها ستكشف تفاقم العجز العربي. في حال كان هذا المطلوب، كل ما يمكن قوله ألف أهلاً وسهلاً بقمة دمشق، نظراً إلى أنها ستساعد على الأقل في جعل العرب يدركون أن قدراتهم المالية زادت بفضل ارتفاع أسعار النفط، في حين أن نفوذهم السياسي يتراجع باستمرار. هل صدفة أن إسرائيل غير راغبة في أي تسوية من أي نوع كان وأنها متحالفة بطريقة غير مباشرة مع «حماس» والذين يقفون وراء «حماس»؟ هناك تحالف غير معلن بين قوى التطرف بهدف تمديد الصراع أطول فترة ممكنة من منطلق أن الوقت يعمل لمصلحة إسرائيل، وأن وجود كيانين فلسطينيين في الضفة وغزة بدأ يتكرس على أرض الواقع. مجرّد طرح سؤال محدد فحواه: لماذا لم تعد إسرائيل مهتمة بتسوية، يعطي فكرة عن مدى التدهور العربي وغياب الفائدة من أي قمة عربية تعقد في دمشق أو غير دمشق! هل من لديه الجرأة على طرح مثل هذا السؤال؟


خيرالله خيرالله


كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن