فاطمة إحسان صادق / علم النفس ... و أزمة السوق!
1 يناير 1970
07:09 م
| فاطمة إحسان صادق |
بعدما تخطينا قضية عدم التمييز بين أخصائيي علم النفس ونظرائهم في علم الاجتماع والخدمة الاجتماعية، حيث يعمل الإثنان تحت مسمى «أخصائي» أو حتى غير أخصائي،يوكل إلى البعض منهم مهام بعيدة تماماً عن مجال تخصصه ويعامل كأحد الموظفين الإداريين، نصطدم بما هو أشد مرارة من ذلك، ففي كلية التربية، حيث تدرس إحدى زميلاتي علم النفس التربوي للمرحلتين المتوسطة والثانوية، تقول إحدى موظفات الإرشاد الطلابي انه يمكن لخريجي هذا التخصص العمل كمعلمين لمادة الاجتماعيات، جنباً إلى جنب مع خريجي أقسام التاريخ و الجغرافيا، بل الفلسفة وعلم الاجتماع أيضاً. لا أتصور كيف يمكن لمن كانت مواد دراسته طوال سنين الجامعة تدور حول خطوط الطول ودوائر العرض أن يتساوى في قدرته على شرح الجغرافيا مع من لم يدرس في عالم الخطوط غير الخط المتعامد لأبعاد الشخصية الأربعة!
كيف نتعجب من عدم تفرقة الناس بين الطبيب النفسي والأخصائي النفسي، ونحن لا نستطيع فصل مدرس علم النفس عن مدرس التاريخ والجغرافيا؟ وكيف لا يُهضم دور الأخصائي عندما يأتي رجل (الروب الأبيض ) لينهي معاناة المريض دون سؤاله حتى عن بدايتها بجرعة ( أمفيتامين ) تكفل للمريض أن ينسى مشكلته بشكل موقت، ثم يعود لطلبها حين يعاوده الألم؟
يحدث كل ذلك في أروقة المدارس والمستشفيات في الوقت الذي يضرب فيه الآخرون على الوتر الحسّاس لهذا العلم الذي أضحى «علم من لا علم له» حسب وصف أحد أساتذة الجامعة، حيث يُتاجر غير المتخصصين بالكثير من المعلومات اللاعلمية في وسائل الإعلام، لاسيما على شبكات التواصل الاجتماعي، حيث يسعى البعض لاستعراض ثقافته المُستعارة خلف جملة «أثبتت إحدى الدراسات الحديثة في علم النفس» دون التطرق لأي إشارة لمصدر تلك الدراسة، ويُقدم البعض استشارات مجانية على الانترنت للهدف نفسه أو أهداف أخرى. عوضاً عن اختبارات الشخصية المتداولة بكل سهولة، والتي تعطيك وصفاً كاملاً لشخصيتك في خمس دقائق، بناءً على لون عينيك وطول شعرك، والكتب التي تقدم لك التفاؤل والإيجابية على أطباق من دجل، شبيهة تماماً بكتب الأبراج و التكهنات السنوية المتغيرة حسب المواسم، ولكن بعناوين مختلفة.
وفقاً لما هو منصوص عليه في موقع الجمعية الأميركية لعلم النفس على الانترنت، فإنه من المفترض أن تتراوح فترة تدريب وتأهيل الأخصائي النفسي الإكلينيكي في حدود الأربع سنوات بالإضافة إلى الممارسة العملية التي يتم من خلالها الإشراف على الحاصلين على شهادة البكالوريوس إلى أن يتم الحصول على شهادة الدكتوراه، لكن ما نشهده في البلاد العربية بشكل عام، هو أن فترة التدريب الميداني بالجامعات لا تتعدى ساعات قليلة على مدى أشهر لا تتعدى الأربعة غالباً، إضافة إلى صعوبة الالتحاق ببرامج تدريبية بشكل فردي اختياري في المؤسسات الرسمية، بحجة المحافظة على خصوصية الاستشارة النفسية. وكأن حضور الأخصائي المتدرب لجلسة علاجية أصعب من قيام خريج كلية الطب المتدرب بعملية جراحية لمريض حقيقي. فكيف يمكن وضع معيار للمهنية في مجال لا ينال فيه المتخصص على فرصة حقيقية لإثبات جدارته بالمهنة و تمييزه عن غيره؟
أزمة تقدير التخصصات الحديثة لا تقتصر على علم النفس وحده، بل تشمل الكثير من التخصصات الأخرى التي يفاجَأ أصحابها بتعيينهم في وظائف لا تتناسب مع مجال دراستهم و خبرتهم، مما ينعكس سلباً على أدائهم الوظيفي وطموحهم ورغبتهم في الإنجاز بالتالي يؤثر في مستوى التنمية بشكل عام. فهل من متحرك يبدد سكون المياه الراكدة؟!