«شاعر المليون» ... وصراع التنافس المبكر!
1 يناير 1970
05:07 ص
في أي بحر سيغوص جامعو درر الكلام؟
وهل سينجحون بالعودة الى الشاطئ الذي سينطلقون منه في رحلة غوصهم؟**
سؤالان يبرزان كلما حان موعد بث حلقة من حلقات مسابقة «شاعر المليون» في دورتها الخامسة، كما كان الحال ليلة أمس الثلاثاء.
ففي الساعة الـ9 والثلث تقريباً ارتفعت موسيقى شارة المسابقة من خلال قناتي أبوظبي الامارات وشاعر المليون ايذاناً ببدء الحلقة الثالثة التي حضرها سعادة محمد خلف المزروعي مستشار الثقافة والتراث بديوان سمو ولي عهد أبو ظبي مدير عام هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث، بالاضافة الى جمهور محبي ومتابعي الشعر.
وكان أول من استهّل البرنامج التلفزيوني الذي استمر نحو ساعتين ونصف الساعة المعد والمقدِّم عارف عمر الذي تحدث عن جائزة زايد لطاقة المستقبل التي تم تقديمها أمس للفائزين في مسرح قصر الامارات بأبوظبي بحضور الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة ولي عهد أبوظبي.
ومن طاقة العالم الى طاقة الشعراء انتقلت د. ناديا بوهنّاد التي تحدثت عن بعض الصفات السلوكية والشخصية لشعراء الحلقة الثالثة، والتي توصلت اليها من خلال الاختبارات التي كان قد خضع لها الشعراء.
وفي حلقة أمس اجتمع في ساحة الشعر ثمانية فرسان، سبعة منهم من الخليج العربي، وهم الشاعر الاماراتي أحمد بن هياي المنصوري، والشاعرة العمانية أصيلة المعمري، والشاعران الكويتيان بدر سعود الوسمي وفالح بن علوان العجمي، والشعراء سيف مهنا السهلي وصالح الخمشي العنزي وعبدالله سمران العصيمي من السعودية، وشاعر فقط من السودان هو حامد بن بركي الرشيدي.
ومما ذكرته د. ناديا أنه لدى أحمد المنصوري جاذبية جميلة، في حين أن أصيلة المعمري حساسة جداً وتميل الى الحزن كثيراً، أما بدر الوسمي فهو اجتماعي وتلقائي وصاحب كاريزما، وحامد بن بركي اداري ومنظم، متزن وكفء، وفيما تتضخم الأنا عند سيف السهلي، فان خيال صالح العنزي خصب جداً، الى جانب أنه مرح وحساس، كما وجدت عبدالله سمران اجتماعياً وقاسياً على نفسه، بينما كانت شخصية فالح العجمي غامضة جداً، مع أنه يتأثر بسرعة، الأمر الذي يقوده الى الاحباط أحياناً.
وبعد ذلك استعرض عارف عمر بعض التعليقات والملحوظات التي شارك فيها متابعو المسابقة من خلال موقع تويتر.
وعلى خشبة المسرح حيث تربعت وردة الصحراء صعد المقدِّمَين حصة الفلاسي وحسين العامري ليلقيا بعض ما في جعبتهما من كلام عذب، بدأها حسين بالشعر، وختمتها حصة بعذب الكلام.
وبحضور أعضاء لجنة التحكيم سلطان العميمي، ود. غسان الحسن، وحمد السعيد تم استعراض بعض المقاطع من المنافسة التي تمت بين الشعراء في الحلقة الماضية، وتعليقات اللجنة على ما قدمه الفرسان الثمانية، بالاضافة الى الاعلان عن الشاعرين اللذين تأهلا من الحلقة الثانية من خلال تصويت جمهور المشاهدين، فجاء عبدالله بن مرهب البقمي أولاً بحصوله على 75 في المئة، فيما حل السعودي علي الأكلبي ثانيا بحصوله على 52 في المئة.
بن هياي... رمزية وتجريدية
كان أول الشعراء الذين تقدموا الى المسرح أحمد بن هياي المنصوري من الامارات، فألقى نصاً خاصاً بمسابقة «شاعر المليون» وبلجنة التحكيم، ومما جاء فيه:
شاركت في وضعن تواقد ناره
من لجنة التحكيم لا شعّاره
الوضع حامي والمسافة تبغي
رجل على الناقد وسيعٍ كاره
واليوم كل محترم ببياته
ودّه قبول اللجنة وتختاره
لكن ترا هذي السنه لا يزعل
اللي بيوته ما تضيع افكاره
ومع انتهاء الشاعر من الالقاء أشار د. غسان الحسن الى أن القصيدة انقسمت الى ثلاثة أقسام، فجاء القسم الأول شرحاً للموقف، فيما جاء القسم الثاني رمزياً بشكل كلي، أما القسم الثالث فقد تميز بالانكشاف والتنوير.
وعن القسم الثاني أي «قلب القصيدة» أكد د. غسان أن الرمز كان الأسلوب الأمثل الذي استخدمه الشاعر في نصه، فلم يأتِ بصورة مباشرة انما بصورة معادلة، وهنا يمكن القول بأن الرمز في قصيدته ينطبق على الحالة التجريدية، كما أن الشاعر أحسن بتطريز العبارات بصور شعرية جميلة، وبمحسنات بديعية، وخلاصة القول: ان النص مشرق للغاية.
من جهته، وصف سلطان العميمي القصيدة بالتميز من ناحية موضوعها، وقد تحول الشاعر من متسابق الى طائر، مع ارتباطه بهوية المكان، وما يرتبط به من هوايات، واللافت في النص تسلسل الأفكار الجميل من خلال التحدث في عدة موضوعات، كما تميز حضور الشاعر في قصيدته التي يمكن القول بأنها سهلة ممتنعة.
حمد السعيد بدأ بتقييم الشاعر قبل تقييم النص، فقال للشاعر: أنت بطل شعر، وأضاف: لقد عيّشني النص في جو حماسي، وتحديداً من خلال البيت الذي قلت فيه:
شفنا خلال الاربع اللي راحت
شعّار ردت للشعر معياره
ثم انك شاعر متزن لم تقلل من قدر الشعراء الذين شاركوا في الدورات الأربع السابقة من «شاعر المليون»، وكنت قد قدمت نصاً مترابطاً.
أصيلة... أمطرت المساء شعراً
الشــاعرة العمانية أصيــــلة المعـــــمري هــــي أولى الـــــفارســـــات اللائــــي صـــــعدن الى مــــــسرح شــــــاطــــــئ، وألـــــقــــــت «أنا كل الســــــحاب الــــــجاي» النص الذي قالت فيه:
يضيق البوح يمّه داخلي وأسكب تعب دنياي
على محل القصايد لي ظميناها بلا ساقي
واكتبني ولا أدري من الساهي وْمن القرّاي
تموت الشاعرة أو قبلها هالصوت بأبواقي
تباريح الحبر فيني مثل نبته تسم الماي
وتقتل صايم المعنى وهوْ يفطر على أوراقي
تحاصرني الحروف أحيان تتسابق الى جوّاي
وتسألهم طوابير الحزن عن صادق أحداقي
سلطان العميمي رأى أن قصيدة أصيلة جميلة، وهي تستحضر الأنثى الشاعرة، وصراعاتها كي تكون شاعرة أو أديبة، معتبراً أنه يوجد في النص ثلاثة أطراف، أولها الشاعرة، وثانيها ذات الشاعرة محور الصراع، وثالثها المجتمع، وقد طغت ذات المتحدثة على القصيدة، ومن الناحية الفنية وجد العميمي أن النص متقن البناء، وجاءت صوره مكثفة، ولهذا فان بعض تلك الصور يحتاج الى وقفة تأمل، كما أشار الى عدة مفردات وردت في القصيدة تشير الى فعلي الكتابة والقراءة اللذين يبرزان الصراع بين الشاعرة والمجتمع، وهي: (اكتنبي، القرّاي، أوراقي، الحروف، جرايدهم، دفترها، يقروني)، وعلّق العميمي على مفردة (أبواقي) التي جاءت في النص، فلم يجدها شاعرية بما يكفي، وعقّب على الخاتمة التي اعتبرها لافتة، والتي تعلن الشاعرة فيها انتصارها، والتي جاء فيها:
يمّه بسألك رغم التعب، رغم الحسد ف عْداي
وش أحلى اليوم م الراحه وشعري بين عشّاقي
حمد السعيد عبّر في تعليقه عن مدى اعجابه بحضور الشاعرة، كما تحدث عن البيت الذي قالت فيه:
تسد بْنبضها جوع البيوت وعاطفة محتاي
قضت حلو العمر ما بين دفترها وْعنا الشاقي
مشيراً الى جواز استخدام تلك القافية مع العلم أن (محتاي) أصلها محتاج، وحسبما قال فان القافية في الشعر النبطي مكتسبة وهي تمثل الجرس الموسيقي، كما عبّر عن جمال البيتين اللذين قالت فيهما الشاعرة:
وأجي ألقى ف جرايدهم، حكي يتعشم بمثواي
وأنا أحيا لَجْل روح الشعر، والناس، وأخلاقي
رموا جناحي ف سما أوهامهم يمكن تصيب أحشاي
وأنا يمّه بـ دعائك أنتشي وأبعد ف آفاقي
وألمح الى عنوان القصيدة التي اعتبرها جميلة جداً، والتي أمطرت المساء شعراً
من جهته، وصف د. غسان القصيدة بالجمال، وأشار الى امتلاك الشاعرة ابداعاً راقياً قادها الى قصيدة رائعة لم تحرمها من التصوير ومن التحليق، حيث أن الموضوع برأيه بحاجة الى صور شعرية لأنه شائك، ولولا الصور التي جاءت في النص ما وصل الى التألق الذي وصل اليه، كما عبّر عن مدى اعجابه بمفردة (يَـ يمّه) التي تؤكد وجود الأنثى بكل ما تحتاجه من حنان وحب.
أما في البيت الأخير:
يـ يمّه بسألك رغم التعب، رغم الحسد ف عْداي
وش أحلى اليوم م الراحه وشعري بين عشّاقي
فقد استخدمت أصيلة فن التورية من خلال مفردة (الراحة) التي قد تعبر فيها عن راحتها من المجادلات، أو عن شاطئ الراحة، وهذه التورية قلما تأتي على ألسنة الشعراء.
الوسمي... تدوير وتوظيف:
مرة أخرى بوعزيزي بطلاً ليس في ثورة تونس فقط، انما في الشعر أيضاً، وهذا ما لفت اليه الشاعر بدر سعود الوسمي في قصيدته التي بدأها بالأبيات التالية:
عاشوا وعشنا على التاريخ لو هو قديم
ما فيه ما حد نفض عن دفتيه الغبار
عاشوا على معتقد كل لنفسه خصيم
وعشنا على معتقد بعد انكسار انتصار
كانوا هم النار وارضونا نكون الهشيم
ما فكروا باننا في يوم بنكون نار
من وقت تاريخنا كنا نظنه عقيم
لين انجب اللي نسف مفهوم ذل وحصار
بعد الخريف الطويل اليوم هب النسيم
واعاد للأرض بهجتها ربيع الديار
كرامة البوعزيزي عز في عز ضيم
كنّه يقول لظلام الظالم: حان النهار
بداية تحدث حمد السعيد بقوله: لكأن بدر الوسمي تطرق من خلال القصيدة الى مقارنة بين الحكام العرب وحكام دول الخليج، حين قال:
ويبقى الوفا للعدل ولكل حاكم حكيم
يؤمن بان العدالة عز والظلم عار
حكامنا الستة اضفونا بخير ونعيم
وحكامهم خلّو الاحلام تلبس خمار
كما أعجبه توظيف الوسمي للكلمات التي قالها رؤساء تونس ومصر وليبيا السابقون، (فهمكتم، من أنتم، فات القطار)، مؤكداً أن تناول موضوع البوعزيزي كان جميلاً جداً، كما هو الحال بالنسبة للنص.
د. غسان الحسن رأى أن مفردة (لو) في مطلع البيت (لو استبدوا هل الظلم وتجبّر زعيم) مستعارة، وقد جاءت في غير مكانها، أما البيت ما قبل الأخير:
شكراً لحضرة جنابك يا الربيع الكريم غيّرت تاريخهم وأصبح بكل اختصار
فقد جاء مدوراً، أي أن معناه لا ينتهي الا في البيت التالي، الذي كان جميلاً، وقلما استعمله شعراء المسابقة:
فيما مضى يصنع التاريخ فارس عظيم
واليوم من يصنع التاريخ بايع خضار
سلطان العميمي رأى أن القصيدة جيدة بشكل عام، وهي مكتوبة بلسان شاعر رأى نفسه جزءاً من التغيير، لكن كمراقب، كما تحمل القصيدة ثلاثة شخوص هم الشاعر والشعب والحكام، وقد أبرز الشاعر من خلالها تنوعاً في الحديث وفي الأدوار، ومع ذلك لم يعتبر عضو لجنة التحكيم القصيدة صرخة كبيرة، لكنها موفقة.
حامد... «راوح مكانك»:
من نص «بقاع الشقاوات» قال الشاعر السوداني حامد مبارك بن بركي الرشيدي:
يالّي هويتك والهوى بعض الآفات
يومٍ عيني منك حظي حرمها
ما عاد لي غير التباريح وآهات
تنفث من أعماق الضماير حممها
يا أول غرام القلب وأحلى العلاقات
قبلك وبعدك ما عرفنا طعمها
يا ليت لي منك لقا لو للحظات
واسألك تبعث مهجتي من عدمها
وقد اعتبر د. غسان الحسن أن القصيدة أضعف من المستوى المتوقع من الشاعر، وكلها تدور حول ذات الفكرة من خلال مفردات معينة وهي: (حممها، حطمها، عدمها، سقمها، قتلت عاشق، خرمها، هدمها)، فكان الشاعر يجتر القتل مرة وراء أخرى، والقصيدة بمجملها أضعف من مستوى الشاعر في الجولات.
وهو الأمر الذي أشار اليه سلطان العميمي الذي قال للشاعر: انك شاعر جميل، لكنك وقعت في فخ سوء الاختيار، فجاءت المعاني والصور تراوح في نفس المكان، ولم تتطور الفكرة، بل وقعت في الصياغات التقليدية التي لم تقدم مستوى الشاعر الحقيقي.
فيما أشار حمد السعيد الى نص الفراق الذي جاء على وزن المسحوب، ورأى أن الجمالية المتواجدة في البيت:
واتغيث صحراي بمزونٍ مهلات
عشان ينبت في عظامي لحمها
تعالج ما سبقها بسبب الموت،
مع العلم أن الصورة الشعرية فيها تقصير.
السهلي... ودرع الجزيرة:
الى درع الجزيرة توجه الشاعر السعودي سيف السهلي بقصيدة فخر قال في مطلعها:
ما يروي مداهيل الطروق الجزال
غير غـرا تعاقب داوي رزامها
روحت واسفهلّت واستهلت زلال
وفطرت كل روضه طوّل صيامها
روحت والله اكبر يوم جالي مجال
الفخر غيثها والعز قدامها
ساقها فجر نصراً «ثبتوه الرجال
في مسيرة صفوفٍ» يرهب اقدامها
وعن النص قال سلطان العميمي انه قلما تطرق شعراء المسابقة الى هذا الموضوع الذي تجلت فيه موهبة الشاعر كثيراً، وخصوصاً عندما قال:
خـلت الدمع دم ذوب احلامها
وفي مصاب المنامه شال مـا لا يشال
لكن العميمي تمنى لو أن الشاعر اتخذ مدخلاً آخر للقصيدة غير ذلك الذي استخدمه، كما قدم ملحوظات أخرى على بعض الصياغات الجاهزة التي طرحها الشاعر مثل (السحايب، بياض الفعول، عاش درع)، حيث رأى عدم توافر الشاعرية فيها، خاتماً كلامه بوصف القصيدة بأنها جميلة ومنبرية، وبأن حضور الشاعر متميز وجميل.
حمد السعيد أشار الى موضع الذكاء والتفرد في الموضوع الذي تناوله النص، وأكد أن النص حبكة شاعر بدءاً من البيتين الأول والثاني، فالمدخل كان متميزاً ومتناسباً مع الموضوع، وبرأيه أن أبيات القصيدة جميلة، وهي مترابطة، وجاءت من شاعر متميز، كان حضوره حماسياً.
د. الحسن أشاد بتلك القصيدة الحماسية، وبموضوعها المتميز، وقد أوضح مكامن جمالها بدءاً من مدخلها العكسي، حيث أبدع الشاعر بكتابة صورة شعرية جميلة، ثم تدرج بالسامع الى أن وضعه أمام درع الجزيرة، وكنت قمة الشاعرية حين استند الشاعر على صور بليغة أدت أدوارها، وقد تمثلت بالبيت:
فــوق هــام السحايب رفــة اعلامها
اشرقت شمس عـزة والجزيرة شمال
وعلى الرغم من أن القصيدة لم تخل من المباشرة وخصوصاً في أبياتها الأخيرة، الا أن ذلك مُبَرَّر من أجل ايصال الفكرة.
العنزي... معادلة متألقة:
«باردو الفقير» كان عنوان النص الذي ألقاه الشاعر السعودي صالح الخمشي العنزي، ومما جاء في مقدمته:
بين المنايا والخطايا والحزن واسبابه
الشمس من غرب اشرقت وانهت قبول التوبه
الحق له وجهٍ يبين اليا كشفت حجابه
في فكر شاعر تعتبر صراحته عذروا به
ضاقت معاليقه صبر واشعل فتيل أعصابه
تنفس الغيره وشريانه يسيل عروبه
طـيّر رماد الياس عن جمر الأمل وانتابه
احساس يوحيله رجوع حقوقه المسلوبه
وعما جاء في النص أشار حمد السعيد الى اعجابه بالمعادلة التالية:
معادله سهله... نظام الحل شرّع بابه
قيمة سين فيها ماهي ابمطلوبه باليد
خمسه طُرح منها ثلاثه... غير سبع الغابه
واحد... صاروا اربع... لا كذا مقلوبه
لو نطرح الخامس... بقا واحد يضيع حسابه
تدرون... خلونا نفك الشفرة المحجوبه ثلثين
بالاضافة الى اعجابه بالبيت الأخير كذلك:
الظاهر ان باص العروبة علته ركابه
كل ما وقفله في محطه... سايقه ظحوبه
وكأن الشاعر أرجع السبب في ما تعانيه الأمة الى الشعوب، والقصيدة بمجملها جميلة جداً، وقد جاءت على وزن الطرق المميز أصلاً، وقد أبرز الشاعر جمالية النص من خلال مفردات عدة جاءت في البيت الذي يقول فيه:
بين المنايا والخطايا والحزن واسبابه
الشمس من غرب اشرقت وانهت قبول التوبه
أما في البيت:
أحيا الضمير الميت حيٍ جردوه ثيابه
نفسه تكسر مالقاً قوته ولا حسّوبه
فقد جاءت القافية مركبة، وهي قوافٍ جائزة، وقد لا تشبه القوافي الأخرى، لكنها جميلة، حالها في ذلك حال النص الجميل والمتألق من شاعر متألق.
د. غسان رأى أن الفكرة طُرحت من قبل أكثر من شاعر منذ بداية المسابقة، لكن الفارق يبدو دائماً من خلال أسلوب التناول والطرح، وهنا أبدع صالح، فقصيدته تنم عن تجربة شعرية ناضجة، خصوصاً عندما قال:
الحق له وجهٍ يبين اليا كشفت حجابه في فكر شاعر تعتبر صراحته عذروابه.
ثم ان الشاعر ذهب بعد الطرح الوصفي الى الطرح القصصي، ثم ذهب الى الرمزية المعادلة التي كانت واجبة برأي د. غسان، حيث ان الموضوع يتطلب ذلك، فيما جاء البيت الأخير تمثيلياً متحركاً، كما لجأ الشاعر الى تدوير المعنى في المعادلة، وهذا جائز وصحيح.
أما سلطان العميمي فقد رأى أن القصيدة واضحة، وقد اعتمد الشاعر من خلالها على المراوحة بين الترميز والتورية والمباشرة، وبرزت في النص دلالات الصور مثلما جاء في البيت: (الحق له وجهٍ يبين اليا كشفت حجابه) ثم ألغى الشاعر الرمزية، مستخدماً أساليب بلاغية لاضافة المزيد من الجمال على النص، فأخذ المتلقي الى موضوعه.
من جهة أخرى، ركز العميمي على مدخل النص الذي وجد فيه استحضاراً للقيامة، ورأى في ذلك قوة وصدمة، أما البيت التاسع فقد انتقل من الحديث عن الآخر الى تقمص صوت الشعب، ما شكل انعطافة ذكية، الأمر الذي أعطى للقصيدة صفة الجميلة، كما في البيت:
قالوا «هرمنا» يازمن وقلوبنا مرتابه
وعيوننا متعوده... نمشي وهي معصوبه
العصيمي... والبوح بمرثية:
باح الشاعر السعودي عبدالله سمران العصيمي بـ «دمع الأساطير»، فقال في بداية بوحه الذي جاء مرثية في الأمير الراحل سلطان بن عبدالعزيز آل سعود جاء فيها:
للحزن بعيون الأساطير جلاد
والدمع سلطانه ليا طاح منها
يترك على وجه التواريخ ميلاد
عن شاهد الاحداث ينبيك عنها
الطايره قفت وهي تحمل بلاد
تنقل على غر السحايب وطنها
طوح لها صوتٍ من الوجد رعاد
هز الفضا والروح داخل بدنها
د. غسان الحسن رأى أنه حتى وان تناول النص البكاء والرثاء الا أن الجمال لا يمكن أن تعبر عنه الا اللغة، ومن هنا كان الجمال واضحاً في كل بيت، في حين كانت كل الأبيات شاهدة على شاعرية الشاعر، وعلى التصوير الشعري، وعلى التخييل، وجاء التصوير من البيئة والذي لم يقتصر على مصدر واحد، وهنا تكمن قوة القصيدة وثراؤها، كما يكمن ابداع الشاعر، وقد وصف د. الحسن بناء القصيدة بأنه جميل ومتماسك، وفيه مجموعة دلالات، فكما استخدم الشاعر الطائرة رمزاً للآمال، كذلك استخدمها للدلالة على النهاية.
أما سلطان العميمي فقد اعتبر أن القصيدة مؤثرة، وهي تختلف عن قصائد الرثاء التقليدية، حيث لم يعدد الشاعر فيها مناقب الراحل كما يرد عادة في نصوص الرثاء، انما وصف النص حالة الحزن منذ ما قبل الوفاة وحتى الى ما بعده، الأمر الذي أعطى النص تميزاً، كما لفت سلطان الانتباه الى وجود مفردات سيميائية في عدة مواضع من النص، وتحديداً في (منهو يقول) تلك العبارة التي أعطت النص جمالية وقوة في التعبير، وله حضورها في الثيمة.
أما حمد السعيد فقد رأى أن فكرة النص كانت غريبة، اذ ان الشاعر لم يذكر مآثر الأمير الراحل، وهذا الأسلوب قليلاً ما يستخدمه الشعراء، ولم يقدم الشاعر على ذكر اسم الأمير الراحل سلطان بن عبدالعزيز الا من خلال مفردة جاءت في البيت أوله:
للحزن بعيون الأساطير جلاد
والدمع سلطانه ليا طاح منها
وهنا قد يأتي تأخير مفردة (فنها) مبرراً بسبب الألم والحزن، لكن المثير للدهشة كذلك أن الشاعر لم يذكر اسم الأمير الا (الدمع سلطانه).
العجمي... الفقر هم انساني:
طال الشاعر الكويتي فالح بن علوان العجمي موضوع «الجوع» من خلال نص حمل العنوان ذاته، والذي جاء في مطلعه:
غفت عيني ولكن ما كحل عين الهموم نعاس
ليا غارت مقادير الليالي جات ملتمه
تسامرني على نار التعب لاذعذع النسناس
واعاتبها لوان جروحي من الريح مشتمه
قضى صبرالخفوق ولابقالي غير دمعة ياس
يهل ابها الرجا والصبر يمسحها طرف كمه
ابحطب للفرح شجرة همومي مالقيت الفاس
مدام الفاس حظٍ ماوقف لو أنثني يمّه
وقد قال سلطان العميمي ان القصيدة جميلة وان كانت مغرقة في الحزن، وفيها توازن ووضوح في التصوير، ولم تخل من تصوير شعري بدءاً من البيت الأول.
فيما أكد حمد السعيد أن طرح هكذا موضوع بذات الطريقة لم يحدث في المسابقة، ولم يسبق له مثيل، فالحزن هيج الجروح لكن بحبكة شعرية جميلة، وبصور شعرية متميزة.
فيما أشار د. غسان الى البناء الموضوعي لنص الشاعر الذي انتقل الى الحديث عن الجماعة متمثلة بالضمير نحن، ثم انتقل للحديث عن الآخرين المتمثلين بجميع الناس، وقد حشد في نصه الكثير من المفردات التي توصل معنى الهم وآلامه، حيث حمل النص حوالي 35 كلمة تدل على المآسي.
مجلس عارف عمر:
في ختام الحلقة وقبل اعلان نتائج اللجنة عادت الكاميرا الى مجلس المعد والمقدِّم عارف عمر، ومن هناك تحدثت د. ناديا بو هنّاد عن أداء الشعراء بعد الانتهاء من القاء قصائدهم، فقالت: كان فالح جيداً، وجاءت حركاته معبرة عن التفاعل مع النص، كما اتسم بالهدوء أثناء تقييم اللجنة نصه، فيما جذب أحمد بن هياي المنصوري الجمهور الذي اعتبره أحد نجوم الليلة، أما الشاعر العصيمي فقد كان حضوره جيداً وحماسياً، لكنه ارتبك قليلاً.
فيما بدا صالح العنزي خجولاً، بحيث انه لم يظهر المرح الا في آخر بيت، وقد كان مستعداً للجنة، غير أن امساكه الساعة مرتين أظهره وكأنه يريد الخلاص من اللجنة، وقد أكد سيف السهلي من خلال نصه أناه المتضخمة، المتمثلة باعتزازه بعائلته وبقبيلته، وبدرع الجزيرة، فهو من الأشخاص الذين يفخرون بألقابهم وبخلفياتهم الاجتماعية، ومن جهة أخرى بدا حامد بن بركي جيداً، فكسر الأبيات بشيء من المرح، لكنه كان يهز رأسه للجنة دليل أنه كان يريد الخلاص، أما بدر فقد كان حضوره جيداً، وهادئاً ومتقبلاً رأي اللجنة، وأخيراً كان حضور أصيلة جيداً، وثقتها عالية بذاتها، لكنها كانت خجولة وقد اتضح ذلك من خلال حركة الجسد.
وقبل ختام الحلقة الثالثة من «شاعر المليون» تم الاعلان عن الشاعرين المتأهلين من قبل لجنة التحكيم وهما الشاعر الاماراتي أحمد بن هياي المنصوري الذي منحته اللجنة 48 درجة من أصل 50، كما حصل على 11 في المئة من ترشيح الانترنت، فيما منحت بطاقة التأهل الثانية للشاعرة أصيلة المعمري التي حصلت على 46 درجة، والتي فازت أيضاً بترشيح جمهور الانترنت بدرجة 29 في المئة.
فيما حصل بقية الشعراء على الدرجات التالية من لجنة التحكيم، ومن جمهور المسرح:
الشاعر الكويتي بدر سعود الوسمي: اللجنة 41 درجة، جمهور المسرح7 في المئة.
الشاعر السوداني حامد مبارك بن بركي الرشيدي: اللجنة 29 درجة، جمهور المسرح 41 في المئة.
الشاعر السعودي سيف مهنا السهلي: اللجنة 41 درجة/ جمهور المسرح 9 في المئة.
الشاعر السعودي صالح الخمشي العنزي: اللجنة 45 درجة/ جمهور المسرح 20 في المئة.
الشاعر السعودي عبدالله سمران العصيمي: اللجنة 44 درجة/ جمهور المسرح 7 في المئة.
الشاعر الكويتي فالح بن علوان العجمي: اللجنة 44 درجة/ جمهور المسرح 16 في المئة.< p>