لغة الأشياء / الجو غائم جزئيا!
1 يناير 1970
08:10 م
| باسمة العنزي |
أبدأ نهاراتي بتنهيدة طويلة و أنا أنفض غبار الأحلام عن كتف الصباح، أهمس لنفسي أنني سأعيد طي ذات الأحداث اليوم لكن بتفاصيل مختلفة!
وحده الهواء البارد ينعش وجه مدينتي كقناع مرطب،جميلة هي في الشتاء رغم شح المطر و تلوث الهواء، رغم إيقاعها السريع المبعثر لكرات البولينغ في مضمارها الطويل، تستجمع كل حسنها في هذا الفصل تاركة قرص الشمس يمر على الأسطح المحايدة بنزق، رافعة خبزها من التنور لتطعم الكل، تدب الحركة في أطرافها دافعة الأسراب نحو المراكز في رحلات يومية محتشدة بالاعتيادية، تبث محطاتها الكثير من القهقهات و الكلام الفضفاض الممزوج بألحان حائرة.
يتمدد الطريق بتعرجاته وحفره وعماله ولوحاته التحذيرية وصور مرشحين المجلس المقبل وخيامهم العملاقة وشعاراتهم المهترئة، تبدأ الساعات بالتسرب من بين أصابعي، سباق الزمن هل يطال من لا يقفز كزنبرك من منزله للعمل؟!
لم أدون يوما قائمة مهامي في ورقة، احفظها جيدا في زاوية من الذاكرة قبل أن تجف، يبللها الحماس ويمزقها العبث، قائمة مهام لا تنتهي، تبدأ من حقيبة طفلتي المدرسية لتمدد مغلفة الفضاء بغلالة بيضاء.
أتساءل لماذا لم يحدث- و لو لمرة واحدة- أن أفكر بالتمرد على قوانيني الخاصة؟! أن أقود مركبتي للبحر بدلا من طريق العمل، أن أمضي صباحي برفقة ديوان شعر، أو أن أجلس على أريكة الصمت أقلب المحطات الفضائية و الدقائق تنسل من ياقة النهار؟
كثيرة هي الأشياء التي يملها كل واحد منا بعد فترات من الانغماس فيها، قليلة هي الخدع التي نستخدمها لنقفز فوق ضجرنا مؤقتا.
مدينتي بوجهها الشتوي أيضا ضجرة، مكتظة شوارعها بالساسة والمتسلقين واللصوص، ملبد هواءها بالمشاحنات والصراخ، عطرها قديم، ممتلئة عروقها بالعطش، غائمة المزاج، لم تخلد للراحة منذ زمن طويل.
تنتظر ببطء- مثلي تماما- أسرابا ملونة من الأمنيات، وقتا رائقا، وطمأنينة تصنعها الحكمة، الكثير من الزهد والقليل من القلق، المزيد من الهدوء والقليل من الصخب، وأياما ممطرة تغسل نوافذها الداكنة وساحاتها المشتعلة، يلزمها حياة جديدة كما يلزمني شتاء أطول.