أحمد جمال الرويح / المغرور معدوم

1 يناير 1970 05:51 م
عن عبد الله بن عمرو: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ألا أخبركم بأحبكم إلي، وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة؟ -فأعادها مرتين أو ثلاثاُ- قالوا: نعم يا رسول الله، قال: أحسنكم أخلاقاً) رواه أحمد، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (حسن الخلق وحسن الجوار، يعمران الديار ويزيدان في الأعمار) أخرجه أحمد، من اتصف بحسن الخلق فقد أوتي خيراً كثيرا، وأجرا كبيراً، والخلق الحسن يزيد صاحبه العمر الطويل، فالناس تحب وترتاح من يتصف بالأخلاق الكريمة والسوية، ويكرهون الأخلاق الذميمة، من الكبر، والحسد، والبغض، والكذب، والظلم، فالمرء ماذا يريد بعدما يتوفاه الله تعالى - بعد عمر طويل وعمل صالح - غير السمعة الطيبة والذكر الحسن بين الناس، فلنتعصب بالأخلاق الحسنة ونتمسك بها جيداً، فالتعصب بالأخلاق الحسنة هي أفضل من التعصب على أشياء لا فائدة منها مثل التعصب الرياضي والقبلي وما شابهها، بل التعصب بالأخلاق هو عين الصواب كما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: تعصبوا لمكارم الأخلاق، ومحاسن الأفعال. فكم تأثرنا بأناس توفاهم الله ولكنهم تركوا لنا أخلاقاً حسنة، وعلما نافعا، وبصمة واضحة ومفيدة للبشر، فالعلماء والكتاب والمشايخ والأطباء والمدرسون والمؤثرون الذين يخافون الله تعالى، هؤلاء الذين نكن لهم الاحترام والتقدير، فلا تغتر يا مغرور بجمالك أو منصبك أو بمالك فكل هذا زائل، يقول الشاعر:

إن المناصب لا تدوم لواحد

إن كنت في شك فأين الأول؟

فازرع من الفعل الجميل صنائع

فإذا عزلت فإنها لا تعزل

كم من ميت هو حي بأفعاله

وكم من حي هو ميت بخموله وإهماله

وهل تعلم عزيزي القارئ بأن المغرور إنسان ليس لديه شيء ذو قيمة تستحق كل هذا الغرور، بل هو إنسان خالِ من العلم أو المال.. وغير ذلك، هناك قاعدة إنسانية تقول: (لا يصاب بالغرور إلا المعدوم)، فتيقن يا سيدي إذا رأيت أحدهم يمشي وهو يحتقر الناس ولا يعجبونه فتأكد بأنه معدوم وخالِ من الداخل. وينبغي على من اتصف بجمال الصورة أن يكون جميل الأخلاق ولا يكون العكس. يقول الحسن البصري: ينبغي للوجه الحسن ألاَّ يشين وجهه بقبيح فعله، وينبغي لقبيح الوجه ألاَّ يجمع بين قبيحين، يقول الشاعر:

إنَّ حُسنَ الوجه يحتاج إلى حُسنِ فعال

حاجة الصَّادي (الشديد الظمأ) من الماء إلى العذب الزّلالْ

فلنعتبر في كل من مات، إن كان حسن الخلق، فنزداد خلقاً أحسن منه، وإن كان ذا خلق سيئ فلنتحاش أخلاقه، وها هي الصحف تنشر بين الحين والآخر صور الطغاة الذين جاروا في الأرض وسفكوا الدماء كيف كانت نهايتهم وخيمة، وكيف يفرح الناس بموتهم ويهتفون بأعلى أصواتهم، فنعوذ من هذه النهاية التعيسة، فلنتعظ بهم ولنتصف بالأخلاق الحسنة، فما أجمل أن يتذكرك الناس بالسلوك الحسن، ويمدحون أخلاقك الجميلة، فلنعتبر ونتعظ من هذه المشاهدات من الطغاة والحكام الظالمين، وما أحسن قول عدي بن حاتم:

كفى زاجراً للمرء أيام دهره

تروح له بالواعظات وتَغْتَدي



أحمد جمال الرويح