يقطع المرء عن مقام «إياك نعبد وإياك نستعين» ويفسد عليه قلبه وإيمانه وحاله

التشاؤم... عقيدة جاهلية يؤمن بها مثقفون ومسلمون...!

1 يناير 1970 12:22 ص
| كتب عبدالله متولي |

قد تكون قضية «التطير» او «التشاؤم» من المعتقدات الجاهلية القديمة التي كانت تسيطر على العقل البشري والسلوك والانساني في مجتمعات ما قبل الإسلام... وبمجيء** الاسلام قضى على كثير من الخرافات التي كان يؤمن بها العرب في الجاهلية لانه (اي الاسلام) بنى عقيدته على اساس العقل السليم والمنطق القويم في دراسة الامور، والبعد عن التردد الذي هو اول درجات الفشل، وقبل ذلك كله لابد من تفويض الامر لله، وطالب اتباعه الأخذ بالاسباب ثم ترك النتائج الى الله تعالى...

وعليه فإن الإسلام قد ربى اتباعه على التفاؤل والامل والبعد عن التطير والتشاوم، لانه يترتب عليه كثير من الضرر، وان خطورة التطير تكمن في احباط العزيمة وتوقف حركة الحياة، وسط اوهام وتخيلات قد تقضي على سعادة المرء ومستقبله.

وكم تضررت امم وخسرت بلادهم وتجارتهم ودورهم بسبب التطير، وكم رأينا من تاجر قعد عن السفر، واهمل تجارته اعتماداً على تشاؤم او نبوءة دجال كاذب...

بينما المؤمن يعتمد على الله في كل اموره ويحسن الظن بالله ويعلم انه ما قدّر له لابد ان يراه ولو كان قابعاً في بيته.

قال تعالى: «ما اصاب من مصيبة في الارض ولا في انفسكم الا في كتاب من قبل ان نبرأها ان ذلك على الله يسير» (الحديد: 22).

ورغم ذلك ما زال هناك اقوام يدعون ان هناك ايام نحس وايام شؤم، وقد وصل الامر بهم الى ان قسموا الايام الى ايام نحس وايام سعود، بل ادعوا ان القرآن الكريم ارشد الى مثل هذه المقولة بقوله تعالى في وصف العذاب الذي نزل على قوم عاد: «فأرسلنا عليهم ريحاً صرصراً في ايام نحسات» (فصلت: 16)، ويكفي الرد على هؤلاء، ما قاله الألوسي: ان حادثة عاد استوعبت ايام الاسبوع كلها، قال تعالى: «سخرها عليهم سبع ليال وثمانية ايام حسوما» اذاً فأي ايام الاسبوع خلا منها؟ والحق ان كل الايام سواء، ولا اختصاص ليوم بنحوسة، والصحيح انه ما من ساعة من الساعات الا ويقع فيها سعد على شخص، وفي نفس الوقت تكون بلاء على آخر باعتبار ما يقع فيها من الخير على هذا والشر على ذلك...!

ان موضوعنا التطير او التشاوم من المعتقدات القديمة وقد تصادف قبولاً عن بعض الجهلة والأميين... الا ان ما دفعنا الى طرحها وبيان موقف الإسلام منها، هو ما نراه ممن ليسوا بأميين ولا جهلة، والاغرب انهم مسلمون يعتقدون في مثل هذه الخرافات التي لا تتفق مع عقل راجح ولا منطق سليم وتنافي عقيدة التوحيد والايمان بالقضاء والقدرة، وتخرج الانسان من دائرة التوكل على الله والاستعانة به سبحانه.

قال ابن القيم رحمه الله تعالى: «التطير هو التشاوم من الشيء المرئي او المسموع، فاذا استعملها الانسان فرجع بها من سفره، وامتنع بها مما عزم عليه... فقد قرع باب الشرك، بل ولجه، وبرئ من التوكل على الله، وفتح على نفسه باب الخوف والتعلق بغير الله، والتطير مما يراه، او يسمعه، وذلك قاطع له عن مقام (اياك نعبد واياك نستعين) و(فاعبده وتوكل عليه) و(عليه توكلت واليه انيب)، فيصير قلبه متعلقاً بغير الله، عبادة، وتوكلاً، فيفسد عليه قلبه، وايمانه، وحاله».

فليكن شعارنا قول الله عز وجل: «وعسى ان تكرهوا شيئاً وهو خير لكم وعسى ان تحبوا شيئاً وهو شر لكم والله يعلم وانتم لا تعلمون» (البقرة: 216).

فان التفاؤل والتشاوم ينبعان من داخل النفس، فصاحب النفس الصحيحة ينظر الى الحياة بمنظار مستقيم جلي، فلا يرى فيها الا كل جميل باعث على الامل، واما صاحب النفس السقيمة فانه ينظر الى الحياة بمنظار اسود كئيب، فلا يرى منها الا كل سيئ باعث على القنوط والتشاؤم واليأس.



ان من لوازم الايمان الصحيح والتوحيد الكامل ان يتجنب المرء كل ما يؤثر في اعتقاده أو ينافي ايمانه بالله جل وعلا، ومن ذلك الحذر من الخرافة بجميع صورها ومن الضلالات بشتى أشكالها.

ومن تلك الخرافات التشاؤم الذي يعتبر عقيدة من عقائد الجاهلية الأولى وخرافة من خرافات أهل الشرك والوثنية، تحول من اتجاههم وتوقف من عزائمهم وتصدهم عن حاجاتهم ومصالحهم، فجاءت شريعة الاسلام شريعة التوحيد بابطال ذلك كله وبهدم بنيانه من أساسه، محررة العقول من رق الوثنية وضلالات الجاهلية.

ان التشاؤم داء تعاني منه كثير من السيدات بصورة مبالغ فيها، بل وهناك بعض الرجال أيضا يشاركون النساء هذه الخزعبلات، وأكبر دليل على ذلك هو الاقبال الشديد على صفحة الأبراج التي تحظى بمتابعة كبيرة، في الصحف ويبني عليها كثيرون ترتيبات يومهم فاما ان تصيبهم كارثة أو خبر سار!!

وعلى مر العصور نرى ان هناك ربطا بين بعض الأشياء و«التشاؤم» كلها معتقدات ليس لها أي أساس من الصحة سوى انها أفكار تتوارثها الأجيال، والغريب ان هذا الأمر لا يقتصر على الجهلة والأميين فقط ولكن يصدقها بعض المثقفين، ومن هذه المعتقدات العجيبة عند العرب بصفة عامة ومنها:

رفة العين اليسرى: توقع خبر سيئ.

الرجل اليسرى: يعتقد ان دخول المنزل بالرجل اليسرى يجلب سوء الحظ.

قشر البيض والثوم: اذا مر الشخص فوق قشر البيض والثوم يجلب النكد.

ضرب نعلي الحذاء أو فتح وغلق المقص: يتسببان في اشعال المشاكل الزوجية !!

طائر الغراب والبومة: طائران يثيران التشاؤم فالغراب يجلب الخراب، واذا أصدر نعيقا بجانب أحد فان ذلك دليل على توقع خبر موت أحد الأحباء، أما البوم مرتبط أيضا بالشؤم والخبر غير السار.

الأعمال المنزلية: تمتنع كثير من السيدات عن القيام بالأعمال المنزلية ليلا لتفادي جلب الفقر أو لدى بعض الشعوب العفاريت والأشباح.

القط والكلب الأسود: القط يرتبط بسوء الحظ ونذير شؤم اذا ظهر لأي شخص في أول يومه، أما الكلب الأسود فيرتبط بالجن والأرواح الشريرة.

سيارة الموتى أو الاسعاف: مرور إحدى السيارتين أمام أي شخص يتطلب منه ان «يهرش» أو يحك رأسه كنوع من الوقاية من حدوث أي مكروه.

(رقم 13): أكثر الشعوب العربية تتشاؤما من هذا الرقم، وعلى الأخص مصر والكويت، يعتبروه رقم نحس أو يوم شؤم في الشهر.

المرضع: يمنع دخول كل من الباذنجان الأسود أو اللحم النيء، والحائض خوفا من انقطاع اللبن أو اصابة المولود بمكروه، وهناك معتقدات أخرى متعلقة بجلب النحس كالمرآة المكسورة، ولضم الابرة وقت الغروب... وغيرها

علاج التشاؤم

ولعلاج هذا التشاؤم الذي يوسوس به الشيطان ويزينه لأصحابه:

1- التوكل على الله حق التوكل.

عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (الطيرة شرك) وما منا الا ولكن الله يذهبه بالتوكل.

رواه الترمذي (1614) وأبو داود (3910) وابن ماجة (3538)، وصححه الألباني في «صحيح الترمذي».

قال ابن عبد البر - رحمه الله -:

ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم انه (نهى عن التطير)، وقال (لا طيرة)، وذلك انهم كانوا في الجاهلية يتطيرون، فنهاهم عن ذلك، وأمرهم بالتوكل على الله، لانه لا شيء في حكمه الا ما شاء، ولا يعلم الغيب غيره.» التمهيد

«(24 / 19).

2 - ان يمضي في حاجته، ولا يتأخر، ولا يرجع.

3 - ان يدعو الله تعالى بأن يخلصه من كيد الشيطان بها، ويسأله تعالى الخير، ويستعيذ به من الشر.

عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من ردته الطيرة من حاجة فقد أشرك) قالوا: يا رسول الله ما كفارة ذلك ؟ قال (ان يقول أحدهم: اللهم لا خير الا خيرك ولا طير الا طيرك ولا اله غيرك).

رواه أحمد (7045) وصححه الألباني في «السلسلة الصحيحة «(3 / 53 تحت الحديث 1056).

قال المناوي رحمه الله -: فينبغي لمن طرقته الطيرة ان يسأل الله تعالى الخير، ويستعيذ به من الشر، ويمضي في حاجته متوكلا عليه.

«فيض القدير «(6 / 136).

وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله -:وقوله: (فلا خير الا خيرك): هذا الحصر حقيقي، فالخير كله من الله، سواء كان بسبب معلوم، أو بغيره.

وقوله: (لا طير الا طيرك): أي: الطيور كلها ملكك، فهي لا تفعل شيئا، وانما هي مسخرة، قال تعالى: (أولم يروا الى الطير فوقهم صافات ويقبضن ما يمسكهن الا الرحمن انه بكل شيء بصير) الملك/19، وقال تعالى: (ألم يروا الى الطير مسخرات في جو السماء ما يمسكهن الا الله ان في ذلك لآيات لقوم يؤمنون) النحل/79، فالمهم: ان الطير مسخرة باذن الله، فالله تعالى هو الذي يدبرها، ويصرفها، ويسخرها، تذهب يمينا وشمالا، ولا علاقة لها بالحوادث.

ويحتمل ان المراد بالطير هنا: ما يتشاءم به الانسان، فكل ما يحدث للانسان من التشاؤم والحوادث المكروهة: فانه من الله، كما ان الخير من الله، كما قال تعالى: (ألا انما طائرهم عند الله) الأعراف/131.

لكن سبق لنا ان الشر في فعل الله ليس بواقع، بل الشر في المفعول، لا في الفعل، بل فعله تعالى كله خير، اما خير لذاته، واما لما يترتب عليه من المصالح العظيمة، التي تجعله خيرا.

فيكون قوله: (لا طير الا طيرك) مقابلا لقوله: (ولا خير الا خيرك).

«القول المفيد شرح كتاب التوحيد» (2 / 117، 118)، و«مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين» (9 / 578).

قال الشيخ صالح الفوزان حفظه الله -:فالحاصل، ان الطيرة تعالج بهذه الأمور الثلاثة:

أولا: التوكل على الله.

ثانيا: المضي وعدم التأثر بها، ولا تظهر على تصرفاتك، وما كانها وجدت.

والثالثة: ان تدعو بهذه الدعوات الواردة في الأحاديث، فاذا دعوت الله بهذه الدعوات: فان الله يعافيك من الطيرة، ويمدك باعانته، ونصره، وتوفيقه.

«اعانة المستفيد شرح كتاب التوحيد» (2 / 14).



معتقدات يابانية



يبدو أن التشاؤم والتفاؤل أمر بعيد تماماً عن التقدم التكنولوجي أو أنه لا يرتبط بطبقة بعينها، فاليابانيون أيضاً بالرغم ما وصلوا من تطور إى أن لديهم معتقدات غريبة ترتبط بالتفاؤل والتشاؤم ويحرصون على عدم القيام بها أبرزها :

الصفير ممنوع ليلاً : يمتنع الياباني عن الصفير ليلاً خوفاً من ظهور حية تلدغه.

قص الأظافر : إذا قص الياباني أظافره ليلاً فهذا يعني نذير شؤم بأنه لن يكن مع والديه عندما يموت.

القطة السوداء : يتشاءم اليابانيون إذا عبرت قطة سوداء الطريق أمامهم لأن في اعتقادهم أنها ستجلب لهم الحظ السيئ.

الاسترخاء وتناول الطعام : ربما يكون هذا الاعتقاد أسباب رشاقة اليابانيين حيث يعتقدون أن إذا نام الشخص أو استرخى بعد تناول الطعام مباشرة سيتحول إلى بقرة!!

(الرقم «4): يأتي التشاؤم من رقم أربعة لأنه يحمل نفس نطق كلمة الموت (شي) الذي ينطق في اللغة اليابانية «Shi»، لذلك يحرصون على إهداء أي هدية تتكون من أربعة أجزاء،وفى الفنادق والمستشفيات لا توجد حجرات تحمل رقم «4».

الموتى : أما معتقدات الموت والحياة لها رموز كثيرة بالنسبة لهم، فنجدهم لا ينامون مطلقاً تجاه لأن هذا هو اتجاه الموتى في مقابرهم.

أعواد تناول الطعام يربطها اليابانيون بطقوس الموتى الخاصة بهم فمن اتيكيت المائدة لديهم الحرص على عدم وضع «العودين» على طبق الطعام أو عليه وخاصة على الأرز، لأنه لا يتم عمل ذلك إلا في المآتم أمام مذبح الكنيسة، أو تبادل الطعام من «عودين» إلى آخرين لأن ذلك لا يتم إلا مع عظام الجثث التي يتم حرقها في الجنازات،أما إذا مرت سيارة الموتى على شخص في الشارع فينبغي عليه إخفاء إصبع الإبهام 

العسراء : يعتقد إذا كانت الزوجة من مستخدمي اليد اليسرى، فهذا مؤشـر لحدوث الطلاق!!، وثقافات أخرى الجانب الأيسر يمثل معتقدات غريبة على سبيل المثال في لغة الإشارة الأميركية رفع اليد اليسرى يعني الموت، وفي عالم البحارة إذا وصفت السفينة بأنها «يسرى» فذلك يعني أنها مشؤومة.



دعاء التخلص من التشاؤم



إذا عُرض على الانسان المسلم شيء من التطير أو التشاؤم فعليه ان يتوكل على الله ويمضي في مراده، وليدع بهذا الدعاء الذي أُثر عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما. كان يقول: «اللهم لا طير إلا طيرك، ولا خير إلا خيرك، ولا إله غيرك»، وهو مصداق لقول الله تعالى: «فإذا عزمت فتوكل على الله». إذ الإيمان بالله والتوكل عليه وتفويض الأمر إليه هو أفضل علاج للتشاؤم أو التطير، فإن من توكل على الله فهو حسبه.



الفأل والتطيّر



قد يسأل سائل عن الفرق بين الفأل والتطير، والسرّ في استحباب الأول وتحريم الثاني، وقد أجاب ابن الأثير عن هذا بقوله: «الفأل فيما يرجى وقوعه من الخير، ويحسن ظاهره ويسرّ، والطيرة لا تكون إلا فيما يسوء، وإنما أحب النبي -صلى الله عليه وسلم-الفأل، لأن الناس إذا أمَّلوا فائدة من الله، ورجوا عائدته عند كل سبب ضعيف أو قويّ فهم على خير، وإن لم يدركوا ما أمَّلوا فقد أصابوا في الرجاء من الله وطلب ما عنده، وفي الرجاء لهم خير معجَّل، ألا ترى أنهم إذا قطعوا أملهم ورجاءهم من الله كان ذلك من الشرّ ؟ فأما الطيرة، فإن فيها سوء الظن، وقطع الرجاء، وتوقع البلاء وقنوط النفس من الخير، وذلك مذموم بين العقلاء، منهي عنه من جهة الشرع». جامع الأصول: 7/631

وخلاصة القول: ان التشاؤم سوء ظنّ بالله تعالى، بغير سبب محقق، والتفاؤل حسن الظنّ به، والمؤمن مأمور بحسن الظنّ بالله تعالى على كل حال، وعليه فالمؤمن لا يتطير، يعيش حياته آمناً مطمئناً، يعلم أن ما أصابه ما كان ليخطئه وما أخطأه ما كان ليصيبه، وهو يعلم الى من يلتجئ عند الشدة، وبمن يستجير إذا خاف على نفسه من عدوّ يتربص به، قال تعالى: «أمَّنْ يُجِيبُ المُضْطرَّ إذا دعَاهُ ويَكْشِفُ السّوء» وقال عزَّ مِن قائل: «وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ» يونس107/ هذه هي القواعد التي تمضي بالمؤمن نحو حياة موفقة وسعيدة ومستقرة، لا يشوبها خبر سيئ، أو كلمة منجم، أو صوت غراب، أو رؤية بوم، الى غير ذلك من أنواع التطير التي تعطل حركة الحياة . بل إن أمر المؤمن كله خير إن مسته سرّاء شكر وإن مسته ضرّاء صبر وفي كلٍّ خير.