علي سويدان / يا عاقد الحاجبين...

1 يناير 1970 09:43 م
فصلٌ جديد من فصول الخلط الفكري في فهمنا للرابط بين الدين وممارسة شؤون الحياة المختلفة، ما يقوم به العرب اليوم من تخبط سلوكي يُظهرُ عجزهم الواضح عن استحضار تلك الحالة المدنيَّة التي ترجمها النبي الكريم في الوثيقة التي نظمت الحياة في المدينة المنورة بعد الهجرة بين المسلمين والمشركين واليهود تحت سقف وطن واحد، كانت تلك الوثيقة مثابة دستور للجميع، تُرى لماذا لجأ ذلك الجيل الأول من المسلمين إلى وثيقة جعلوها دستوراً لهم مع أن القرآن الكريم يكفي الأمةَ حِكَماً وأحكاماً؟! وكان الأَوْلى من ذاك الجيل الأعمق فهماً للدين، والأكثر منّا ولاءً للعقيدة الإسلامية ألا يقبل حَكَماً سوى القرآن في تنظيم شؤون الحياة، لكن النبي الكريم ترك للعرب وللمسلمين فهماً نقياً يتلخَّص بأن الوطن للجميع، أما الدين فلا إكراه فيه، مع حمايته وتطبيق أحكامه وحدوده على المؤمنين به، وإفساح الحرية للجميع. أما بعض المسلمين اليوم فقد ميَّزوا وُجودَهم عن الناس فصاروا إسلاميين! فعزلوا أنفسهم عن المجتمع باسم الأُخوَّة! وأحرجوا الناس على الملأ باسم النصيحة! وتجاوز بهم التعصب إلى احتكار الوطن ومصادرة الولاء له فكسروا رتاج الحرية نحو الفوضى! ودنَّسوا حُرمةَ التعايش المشترك بفرض آرائهم بالعنف! واتجهوا إلى التفريط بالقيم باسم الإصلاح! وإلى سفكِ الدماء باسم التغيير وبذريعة التكفير لإلغاء الآخَر! وغفلوا عن وصية النبي الكريم في حجة الوداع: «لا ترجعوا بعدي كُفاراً يضربُ بعضُكم رقابَ بعض»؛ وفي صورة أبسط تُبَيِّنُ لنا مدى فهمنا المشوَّه عن الدين، انظروا حين يريد أحدُنا أن يصبح مُتديِّناً كيف يترجم وبشكل خاطئ ارتباطَه بهذا الدين؛ أولاً ينسى كلَّ أصدقائه وربما يبتعد عن أهله، ثم يبدأ التكلم بالعربية الفصحى، ويتجهَّمُ وجهُهُ، ويُوقِفُ الابتسامة فوراً، ثم يعقد حاجبيْه!





علي سويدان

كاتب وأكاديمي سوري

[email protected]