خيرالله خيرالله / هل تتحرّر غزة من الأسر؟

1 يناير 1970 08:23 م
بقيت غزة ما يزيد على خمس سنوات أسيرة الأسير الإسرائيلي جلعاد شاليط. الآن وبعد تنفيذ الصفقة التي تمت بين «حماس» وحكومة بنيامين نتنياهو بوساطة الحكومة المصرية و«الاخوان المسلمين» في مصر ووسيط ألماني أو اكثر، وجهات عربية وغير عربية هل تتحرر غزة من الأسر... أم تبقى أسيرة ما هو أخطر من أن يكون القطاع أسير جندي إسرائيلي محتجز منذ يونيو 2006؟

الأخطر من ان يكون القطاع أسير جندي اسرائيلي يتمثّل في بقائه أسير عقلية معيّنة تعتبر أن تغيير طبيعة المجتمع الفلسطيني أهمّ بكثير من التخلص من الاحتلال. لذلك، لا يمكن ان يقاس اي انتصار ناتج عن صفقة اطلاق شاليط إلاّ بمدى النجاح في التخلص من الاحتلال الاسرائيلي للضفة الغربية والقدس الشرقية. في النهاية ماذا يعني اطلاق الف وسبعة وعشرين اسيرا فلسطينيا في مقابل الافراج عن جلعاد شاليط، اليس في استطاعة اسرائيل، في اقلّ من اسبوع، اسر ما يزيد على الف فلسطيني متى تستنفد الغرض من الصفقة؟

في حسابات الربح والخسارة، خسرت غزة الكثير في السنوات الخمس الاخيرة. يكفي انها صارت تحت الحصار ولا تزال كذلك. ويكفي ان هناك عائلات لا تزال في العراء منذ الحرب التي شنتها اسرائيل على القطاع أواخر العام 2008 وبداية العام 2009.

في تلك الحرب التي استُخدم اسر جلعاد شاليط غطاء لها، مارست اسرائيل ارهاب الدولة فيما العالم يتفرّج. قتلت ما يزيد على الف واربعمئة فلسطيني معظمهم من المدنيين، بمن في ذلك نساء واطفال ودمّرت ربع البنية التحتية للقطاع. قتلت اسرائيل من أرادت قتله من قادة «حماس» وحاصرت من ارادت محاصرته. انسحبت من غزة بعدما تأكدت ان «حماس» مستمرة في السيطرة على غزة وان لا هدف لها سوى الاحتفاظ بـ «إمارة اسلامية» على الطريقة الطالبانية، نسبة إلى «طالبان».

في السنة 2011، حققت اسرائيل سلسلة من الاهداف عبر التوصل إلى صفقة مع «حماس». قبل كل شيء، يستطيع بنيامين نتنياهو تصوير نفسه «بطلا وطنيا» أصرّ على استعادة الاسير حيّا وفي صحة جيدة. فضلا عن ذلك، سيكون قادرا على القول ان الثمن الذي دفعه لا يمثل شيئا ما دام في استطاعته اعادة الاسرى إلى السجون الاسرائيلية متى شاء ذلك من جهة وما دام الهدف النهائي ابقاء «حماس» حية ترزق في مواجهة مستمرة ويومية مع السلطة الوطنية الفلسطينية من جهة أخرى.

تبدو الصفقة بين «حماس» واسرائيل وكأنها امتداد للمؤتمر الذي عقد اخيرا في طهران بهدف التأكيد ان هناك «مقاومة» عربية- اسلامية قادرة على تحرير فلسطين من البحر إلى النهر أو من النهر إلى البحر لا فارق. انه شعار لا يخدم سوى اسرائيل التي تتذرع بمثل هذا النوع من المؤتمرات لاظهار نفسها في مظهر الضحية في حين انها تمارس ابشع انواع الارهاب عن طريق الاصرار على تكريس احتلالها للضفة الغربية والقدس الشرقية. ولذلك، ليس صدفة ان يعلن السيد خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لـ «حماس» عن صفقة شاليط من دمشق بعد ايام من مشاركته في مؤتمر طهران. يبدو مطلوبا اكثر من ايّ وقت ظهور المحور الايراني- السوري في مظهر من لا يزال قادرا على عقد صفقات مع اسرائيل... أو تسهيل صفقات تعقدها «حماس» معها.

يبقى انّ أهمّ ما في صفقة شاليط توقيتها. انها تأتي فيما السلطة الوطنية الفلسطينية تسعى إلى الحصول على اعتراف من الامم المتحدة بدولة فلسطين في حدود العام 1967. هناك حرب اسرائيلية على هذا التوجه. ولذلك كان مفيدا اعادة تعويم «حماس» التي تقاوم بدورها الجهد الفلسطيني في الامم المتحدة.

باختصار شديد، التقت مصلحتا اسرائيل و«حماس» عند مقاومة المشروع الوطني الفلسطيني فكانت «صفقة شاليط» مدعومة من النظامين الايراني والسوري و«الإخوان» في مصر. في الايام القليلة المقبلة، سيكون كلام كثير عن انتصار لـ «المقاومة» في وقت صارت مهمة «حماس» في غزة محصورة في منع انطلاق اي صاروخ في اتجاه الاراضي الاسرائيلية، علما ان هذه الصواريخ كانت كفيلة قبل اشهر قليلة بالتمهيد لمعركة تحرير فلسطين، كلّ فلسطين!

ليس سرّا ان صفقة شاليط احرجت رئيس السلطة الوطنية السيد محمود عبّاس (ابو مازن) الذي لم يجد ما يقوله سوى الترحيب بإطلاق اسرى فلسطينيين. يعرف «ابو مازن» قبل غيره انه لو كانت اسرائيل مهتمة بمفاوضات جدّية مع السلطة الوطنية من اجل التوصل إلى هدف الدولتين، لكان أولّ ما فعلته اطلاق مجموعة من الاسرى. الأكيد ان السلطة الوطنية تلقت ضربة قوية. سيترتب عليها التعاطي مع واقع جديد يتمثل في ان «حماس» غير راغبة في دعم المشروع الوطني الفلسطيني من جهة وان اسرائيل على استعداد لدعم أي طرف فلسطيني يقف في وجه خيار الدولة المستقلة من جهة اخرى. وهذا يعني في طبيعة الحال أن كلّ كلام عن مصالحة فلسطينية لا معنى له ما دام الهدف من المصالحة غير واضح.

لا مفرّ من الاعتراف في نهاية المطاف ان لا وجود لشيء اسمه مصالحة من اجل المصالحة في غياب الهدف السياسي المحدد، تماما مثلما ان لا وجود لشيء اسمه التفاوض من أجل التفاوض على الطريقة الاسرائيلية. تريد «حماس» مصالحة من أجل المصالحة، وتريد اسرائيل التفاوض من اجل التفاوض. لعلّ صفقة جلعاد شاليط التي نضجت على نار هادئة وكلفت الفلسطينيين مئات القتلى والجرحى والكثير من الدمار افضل تعبير عن هذا الواقع الذي يمكن تسميته «مأزق السلطة الوطنية الفلسطينية».





خيرالله خيرالله

كاتب لبناني مقيم في لندن