«تقدر الدية كاملة بعشرة آلاف دينار...» المادة (251) من القانون المدني، هذا القانون صادر عام 1981 وتم تقدير دية الإنسان بعشرة آلاف دينار كويتي تعويضاً عن موته وبنظرة سريعة هذا يعني أن الشخص من الممكن أن يحصل على تعويض جراء حادث لسيارته على مبلغ يزيد على هذا بكثير، فكثير من السيارات، بل معظمها، تساوي مبالغ أكثر من الـ 10،000 د.ك وبكثير أيضاً... تخيل أن شخصا يموت بحادث سيارة فيستحصل ورثته على دية بهذا المبلغ تعويضاً عن وفاة مورثهم ويستحصلون على مبلغ أكبر تعويضاً عن سيارته!
قطعاً أنا لا أذكر هذا للتندر أو الضحك، بل أذكره للتدليل على سوء مسلك الجهات التشريعية عندنا فهي مشغولة ومنذ الثمانينات بكل شيء إلا التشريع، ولم يتسن لهم الوقت إلى الآن لمراجعة مثل هذه التشريعات فبعد مرور ما يقارب (30 عاماً) وإلى الآن لم ينتبه المشرعون إلى أن كل شيء زادت قيمته حتى الخضار والفواكه، لكن الإنسان بقي على سعره الأول... السيارات أصبحت أغلى منه.
نقول هذا عن السلطات التشريعية المتعاقبة لأننا نطمح إلى الأفضل، نريد الإنجاز، الرقي، التنمية... والحقيقة أن رجال السياسة الأولين كانوا أفضل حالاً بكثير من رجال هذا الزمن... إليكم المقارنة التي قد ينصدم منها الكثير: في عام 1961 صدر مرسوم برقم (6) حددت فيه الدية الشرعية بمبلغ (16 ألف روبية) أي ما يعادل 1200 د.ك، وفي عام 1967 صدر مرسوم برقم (42) بتعديل قيمة الدية لتكون 2400 د.ك أي ضعف المبلغ وخلال ستة أعوام فقط، وفي عام 1976 صدر مرسوم آخر برقم (73) لتصبح الدية الشرعية مبلغ 6000 د.ك، وفي عام 1981 أصدر القانون المدني بتحديدها بمبلغ 10،000 د.ك. أنظر الى فطنة المشرع وملاحقته للتغيرات التي تطرأ على المجتمع ليواكبها، لكن الحال بقي على ما هو عليه منذ 30 سنة دون أي تغيير.
هذا مثال بسيط ذكرته للإشارة إلى حجم الخلل في العملية التشريعية، وإلا فالأمثلة كثيرة جداً، لكني أحببت تسليط الضوء على هذا المثال لأنه يتعلق بالإنسان والتعويض عن حياته التي قد يفقدها بسبب خطأ غيره... وإذا كانت التشريعات الخاصة بالإنسان مهملة إلى هذا الحد فماذا تترجى من التشريعات الأخرى.
أعرف أننا نعيش أزمة سياسية خانقة باتت تأكل كل شيء في الوطن، وكم كنت أتمنى كما يتمنى غيري ألا تضيع قيمة الإنسان بين هذه النزاعات... لكنها مجرد أمنية أعرف أنها ما تحققت للأسف.
محمد صالح السبتي
كاتب كويتي
[email protected]