الكلمات التي ارتجلها خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز خلال الحفل الذي أقامته مؤسسة الملك فيصل الخيرية لتكريم الفائزين بجائزة الملك فيصل العالمية، ولحصول الملك عبدالله على جائزة هذا العام لخدمة الإسلام، هي كلمات من النوع الذي لا يستأذن الشخص قبل الدخول إلى قلبه وعقله! كلمات بسيطة في مفرداتها وعميقة في معانيها ورسالتها، تجعل المرء يعيد التأكيد على قناعته أنه كلما قل التكلف والتصنع في الحديث وكلما كان الحديث من القلب، كان أسرع بالوصول وأعمق بالتأثير من الكلام المنمق كله والمزركش والمعبأ بعبارات البلاغة النحوية والمفردات المتكلفة! لذلك حين قال خادم الحرمين الشريفين: «إن العالم المسلم في مختبره والجندي المدافع عن وطنه والواعظ الذي يدعو إلى الاعتدال، والموظف النزيه الذي يرفض الإغراءات، والقاضي العادل المنصف، والعامل الذي يعمل بيديه ويتقن عمله، والطالب الذي يثابر على دراسته وتحصيله، هؤلاء كلهم يخدمون الإسلام، وباسمهم في كل مكان من ديار المسلمين، يسرني قبول هذا التكريم، وأهديه لهم جميعاً» كان يخاطب قلب الإنسان المسلم بالدرجة ذاتها التي كان يخاطب بها عقله وتفكيره!
***
أمر مؤسف فعلاً أن تتراجع اللغة العربية في الدوائر الحكومية الإماراتية وداخل أراضي دولة الإمارات العربية المتحدة إلى المرتبة الرابعة من بين اللغات المستخدمة فيها، ما أدى إلى إصدار الحكومة الاتحادية قانوناً يلزم الشركات الحكومية والمؤسسات المالية والمصرفية والمؤسسات الأكاديمية ووسائل الإعلام الناطقة بالعربية باستخدام اللغة العربية في تعاملاتهم اليومية! هذا الأمر لم يكن مستغرباً ولا مفاجئاً للكثيرين، وهم يراقبون الصعود الاستثماري المتسارع للإخوان في الإمارات في ظل تراجع رهيب في عدد سكان البلاد من الأصليين الذين أصبحوا أقلية تكاد تذوب في وسط بحر من الأجانب، حتى وصلت نسبتهم إلى ما دون العشرين في المئة من إجمالي عدد السكان في الدولة!
جميل جداً أن تحقق النجاحات في بناء «مظاهر الدولة»، ولكن الأجمل والأطول ديمومة هو بناء «الإنسان» والإنسان المواطن خصوصاً، ويبدو أن المسؤولين في الإمارات الشقيقة تناسوا هذا الإنسان المواطن ولغته وثقافته في زحمة العمل الدؤوب! صورة مع التحية إلى كل من يجد في النموذج الإماراتي القائم على العمران والاستثمار أفضلية على نموذجنا الكويتي القائم على الإنسان والحريات!
***
ما أجمل الأحاديث الديبلوماسية وما أقصر أعمارها، يزور المسؤول الأول دولة المسؤول الآخر ليعلنا أن المباحثات تمت بروح التعاون والترابط والتكامل، وأن العلاقات بين البلدين علاقات تاريخية وأخوية، وأن القضايا ذات الاهتمام المشترك قد نالت نصيبها من التفاهم، ولم يتبقَ إلا إعلان حالة الاندماج بين البلدين! لذلك كانت جميع التصريحات الرسمية التي تصاحب زيارة ولي العهد السعودي الأمير سلطان بن عبدالعزيز إلى الأشقاء في قطر، تصاريح ديبلوماسية جميلة ومتفائلة و«معبئة مسبقاً»، خصوصاً وأنها تصاحب أول زيارة لمسؤول سعودي على مستوى رفيع إلى دولة قطر! كل ما يريده أبناء مجلس التعاون هو أن تنتقل علاقات دولهم من التصريحات والأحاديث الديبلوماسية وإعلانات القمم الخليجية المعطلة إلى واقع ملموس يعيشه المواطن الخليجي من «العبدلي» وحتى «صلالة»!
سعود عبدالعزيز العصفور
كاتب ومهندس كويتي
[email protected]