علي سويدان / التعليم... جرعة زائدة!

1 يناير 1970 09:38 م
الخلط الفكري الذي نعيشه نحن العرب في حياتنا اليومية وعدم التمييز الواضح بين متطلبات المجتمع المختلفة، إنما ينمُّ عن حالة من الإرباك نُزاولها يومياً دفعت بنا نحو محاولة تصحيح مسارنا التربوي ولكن بجهد تسيطرُ عليه مشاعرُ العزلة عن متطلبات مُلحَّة في المجتمع اليوم، ويحكم هذا الجهد إسهاب واستطراد علمي يُبعد المعلمَ والطالب معاً عن الأهداف التربوية إلى أهداف علمية؛ فلو تتبعنا عدداً من كتب المواد المدرسية وجدناها أشبه بكتب التخصص العلمي، نحن مع غرس العلم بمجالاته في عقول أبنائنا من الصغر وكما قالوا «العلم في الصغر كالنقش في الحجر»، لكننا لا نريد أن تصبح عقول أبنائنا أحجاراً ننحتُ عليها العلم! إن كثيراً من كتبنا اليوم في معظم المواد المدرسية كتب علمية تفتقر إلى إبراز الجانب التربوي، وكأنَّ التربية مقصورة على مادتيْ اللغة العربية والتربية الإسلامية، وبالتأكيد الذين أعدّوا هذه الكتب قد رغبوا في إضفاء مزيد من الخير على هذا الجيل ولسنا نشكك في ذلك، واستقاءً من تجارب عديدة فإن الجرعة العلمية للكتب المدرسية كانت جرعة زائدة لا تعطي مجالاً للمعلم في الزمن المتاح له أن يستعرض الجانب التربوي والقيمي بشكل كافٍ، بل ستدفعه زحمةُ المادة العلمية في الكتاب المدرسي إلى الانصراف نحو تغطية الدروس في الكتاب بلغة تغلب عليها المتابعة العلمية مع انشغال غير مقصود عن الجانب التربوي! لعلنا في الشرق في كثير من المناهج المدرسية نُلقي بثقل المسؤولية التربوية على كاهل المعلم من غير السعي بشكل مهني إلى تأهيلٍ تخصصي لكوادر المعلمين، ثم نعود ونلوم المعلم على نتائجه مع طلابه، والأخطر في الأمر إلقاء اللوم على جيل بأكمله نحن مَنْ قصَّرنا تجاهه، هناك في كل بيت تفتح الأسرةُ مدرسةً ثانية لأبنائها لِتُسعفَ اللهث اليومي للطالب؛ وحتى نكون أكثر مصداقية مع أنفسنا علينا أن نمارس الشجاعة في تصحيح مسارنا التربوي وخاصة في مسألة الكتاب المدرسي، ولن يكون معيباً أن نأخذ تجارب الآخرين بمضمونها أو حتى بمسمياتها أيضاً، هذا إن كنا بحاجة لها من شتى دول العالم والاعتراف بالحق فضيلة، في لبنان مثلاً تتجلى الريادة في منطقيات التسلسل الفكري في التعليم، فليس الأمرُ مُخجلاً «أن نُعطي الخبزَ لٍخبّازهِ ولو أَكَلَ نِصفَهُ» أفضل بكثير من «سبع صنايع والبخت ضايع»!





علي سويدان

كاتب وأكاديمي سوري

[email protected]