قبس من الأدعية النبوية الشريفة

1 يناير 1970 10:53 م
| د. وليد محمد عبدالله العلي* |

إنَّ من أشرفِ الأدعية التي يتقرَّب إلى الله تعالى بها الدَّاعي؛ وأجمعِ المباني وأنفعِ المعاني التي يسعى في تحصيلها السَّاعي: ما أُثِرَ عن رسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم من الأدعيةِ الصَّحيحة**، التي هي من جوامعِ الكلامِ الذي تجودُ به القريحة.



الاستعاذة من جميع مايؤذي



إن من هذه الدعوات النبوية الشريفة؛ وهذه الكلمات الشافية الكافية المنيفة: ما اخرجه ابوداود والترمذي والنسائي عن شكل بن حميد رضي الله عنه قال: (اتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا نبي الله؛ علمني تعوذا اتعوذ به. فاخذ بيدي ثم قال: قل: اعوذ بك من شر سمعي وشر بصري وشر لساني وشر قلبي وشر منيي).

فقول الصحابي رضي الله عنه: (اتيت النبي صلى الله عليه وسلم): فيه اتيان اهل العلم والاثر، وسؤال اهل الذكر والخبر، فالواجب على المتعلم السؤال عما يجهله من العلوم، والواجب على المعلم ان يبين ما يعلمه ويقربه للفهوم، قال الله تعالى: وما ارسلنا من قبلك الا رجالا نوحي اليهم فاسالوا اهل الذكر ان كنتم لا تعلمون (43) بالبينات والزبر وانزلنا اليك الذكر لتبين للناس ما نزل اليهم ولعلهم يتفكرون.

فالسؤال والاستفهام هو اول مراتب العلم، والانصات للجواب هو اول مراتب الفهم، قال المغيرة: (قيل لابن عباس: كيف اصبت هذا العلم؟ قال: بلسان سؤول؛ وقلب عقول) اخرجه احمد في فضائل الصحابة.

شفاء العمى طول السؤال وانما

تمام العمى طول السكوت على الجهل

وقول الصحابي رضي الله عنه: (يا نبي الله؛ علمني تعوذا اتعوذ به): فيه اهمية التجاء العبد على الدوام الى ربه ومولاه، ومعرفة ما يتعوذ به من شر ما يوبق دينه ودنياه.

فالواجب على العبد ان يستعيذ بالله تعالى من جميع ما يؤذيه، وان يحذر من كل فتنة تطغيه او مصيبة تلهيه او منكر يرديه، قال الله تعالى: ان الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان اتاهم ان في صدورهم الا كبر ما هم ببالغيه فاستعذ بالله انه هو السميع البصير.

وقول الصحابي رضي الله عنه: (فاخذ بيدي): فيه مزيد الاعتناء والاهتمام بالمتعلم حال التعليم، وابداء الترفق واظهار التلطف به اثناء التفهيم.

وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في دعائه: (اعوذ بك من شر سمعي): حتى لا تسمع الاذن ما يكرهه الرب سبحانه وتعالى من الاحاديث، فيصان السمع عما لا يجوز سماعه من الغيبة والنميمة ولهو الحديث.

وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في دعائه: (وشر بصري): حتى لا تبصر العين شيئا لا يحبه الله تعالى مما يتخونه الناظر، فشكر نعمة البصر بان يغض عن رؤية ما لا يحل له من المناظر.

وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في دعائه: (وشر لساني): حتى لا ينطق بكلمة كفر او فسوق او عصيان يهوي بسببها في نار جهنم سبعين خريفا، ولطالما جرى لسان المرء بحديث كذب بحجة ان يضحك القوم ويكون بينهم طريفا ظريفا.

وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في دعائه: (وشر قلبي): حتى لا ينطوي الجنان على سوء الاعتقاد، او يسود الفؤاد بظلم الاغلال والاحقاد، فشرور القلب كثيرة لانه منبع الفساد.

وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في دعائه: (وشر منيي): حتى لا يصاب المرء بالشبق وهو الغلو في الشهوة مع الافراط، فربما اراق الفرج ماءه عدوانا في فاحشة الزنا او جريمة اللواط.

وقد وقعت الاستعاذة من هذه الامور الخمسة لانها مصدر الآثام ومنها تفجر جميع الذنوب، فالعباد مسؤولون عن حفظ ما استرعوه من حواسهم لا سيما الاسماع والابصار والقلوب، قال الله تعالى: ولا تقف ما ليس لك به علم ان السمع والبصر والفؤاد كل اولئك كان عنه مسؤولا.

كما ان العباد مطالبون بامساك ألسنتهم وحفظ فروجهم، ولا يكون ذلك الا بمراقبة الله تعالى في دخولهم وخروجهم، فعن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه اضمن له الجنة) اخرجه البخاري.

اللهم انا نعوذ بك من شر اسماعنا وشر ابصارنا وشر السنتنا وشر قلوبنا وشر منينا.

فالزم يا عبد الله هذا الدعاء وانت مستقين بان ربك لدعائك مجيب، وانه يخاطبك بقوله تعالى: واذا سالك عبادي عني فاني قريب اجيب دعوة الداع اذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون.

نفعني الله واياكم بهذا الدعاء، وفتح لاجابته ابواب السماء.



استاذ العقيدة بكلية الشريعة

جامعة الكويت