خواطر وتوجيهات / سِرّ القدَر
1 يناير 1970
07:45 م
| الدكتور عبدالرؤوف الكمالي * |
إن الايمان بالقدر ركن من أركان الايمان بالله تعالى، فلا يصح ايمان انسان حتى يؤمن بالقدر. ومعنى الايمان بالقدر: ان يصدق الانسان تصديقا جازما لا مرية فيه ولا شك، ان الله عز **وجل قد علم بالاشياء كلها قبل وقوعها منذ الأزل، وأنه سبحانه أرادها وشاءها، وقد كتب ذلك سبحانه كله عنده في كتاب، قال الله عز وجل: (إنا كل شيء خلقناه بقدر)، وقال سبحانه: (وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين).
وثمرة الايمان بالقدر ثمرة عظيمة جدا، فإن الانسان اذا علم أنه لا يقع شيء في هذا الكون الا بإرادة الله تعالى وتقديره، فإنه سيكون مطمئن النفس هادئ البال، لأنه يوقن ان ما كتبه الله تعالى فسيقع لا محالة، قال سبحانه: (قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون)، وقال سبحانه: (ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير. لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال فخور).
وهذه كلها أمور مسلَّمة عند المسلم لا جدال فيها مطلقا، ولكن كثيرا من الشباب اليوم يعتريهم إشكال في فهم مسألة القدر، فيقول الشاب - مثلا - : أليس الله عز وجل قد كتب عليّ كل شيء، ومن ذلك الهداية والصلاح؟ فإذاً، لو أراد الله ان أصلي لصليت، أو ألا أرتكب المعاصي لما ارتكبت المعاصي، فلماذا أُلام؟ ولماذا تأمرونني بالصلاة أو بعدم ارتكاب المعاصي، مع ان الله تعالى كتب ذلك كله وانتهى الامر.
والجواب عن هذا الإشكال مع أثره الخطير والمرير جواب سهل وواضح والحمد لله، ولكننا نحتاج الى نية صادقة، وأُذُن صاغية، فأقول - وبالله تعالى التوفيق - : اننا حين نأمر الانسان بالصلاة، ولتكن الصلاة التي سيحين موعدها بعد ساعة مثلا، فإننا نأمره بشيء مستقبل لا ماضٍ، وهنا يأتي سؤالنا لهذا الشاب الذي لا يصلي: هل تعلم ماذا قدر الله عليك بعد ساعة: أنك ستصلي أو لا تصلي؟ لاشك ان الجواب الصحيح الواضح: انه لا يدري، لأنه لا يعلم الغيب، والمستقبل مجهول قبل وقوعه، فكيف اذاً يصح ان يحتج بأمر غيب لا يعلمه؟! فإنه يحتمل ان يكون قد كتب الله عز وجل له ان يصلي بعد ساعة، وكم من انسان كان لا يصلي، ثم أصبح فجأة من أهل الصلاة والمساجد.
وما يبين هذا الامر بوضوح اكثر: ان الانسان لا يقبل بتلك الحجة - حجة القدر وأن الله تعالى كتب كل شيء - لا يقبل بها في أمور دنياه ومصلحته، فهو لا يقبل - مثلا - ان يترك الذهاب لدراسته إن كان طالبا، او العمل إن كان موظفا، بدعوى انه لو كان الله عز وجل قد كتب له الذهاب لذهب، بل انه يبذل قصارى جهده، وكل ما في وسعه، للذهاب الى مصلحته الدنيوية، لأنه يعلم ان حجة القدر لا تصلح للاحتجاج بها على ترك العمل وبذل الاسباب الصحيحة.
فالخلاصة: ان الله تعالى قد قدر كل شيء وأراده، ولكن هذا المقدر غيب عنا لا نعرفه، فالواجب علينا - كما أمرنا الله تعالى - ان نسعى في بذل الاسباب الصحيحة للوصول الى طاعته سبحانه ومرضاته، تماما كما نفعل في مصالحنا الدنيوية، فالأمران سيّان، والتفريق بينهما دليل التناقض.
قال الله عز وجل: (سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء) قال الله عز وجل في الرد عليهم: (قل) أي: قل لهم يا محمد: (هل عندكم من علمٍ فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون).
نسأل الله تعالى ان يثبتنا على دينه، وأن يرزقنا صلاح الاعتقاد والعمل، وصلى الله على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
* أستاذ الفقه في كلية التربية الأساسية< p>