علي محمد الفيروز / إطلالة / تنحي فيدل كاسترو ومستقبل كوبا

1 يناير 1970 11:27 م

من منا لا يعرف المناضل فيدل كاسترو؟ انه الرئيس الكوبي الديكتاتور الشيوعي الذي ظل في سدة الرئاسة في كوبا على مدى خمسين عاما، فهو القائد الأول لكوبا منذ ثورة يناير عام 1959، ويعتبر من أقدم الرؤساء في العالم، ودخل اسمه تاريخ النضال الشيوعي والقمع الوحشي، انها فعلا اعوام طويلة من العطاء القيادي والسياسي والعسكري الذي فرض نفسه على الساحة الدولية، على الرغم من الحصار الاميركي عليه وعلى شعبه، لقد قاد الزعيم كاسترو محطات نضالية كبرى مليئة بالقمع الكوبي الامر الذي اثر على حياته بدخوله السجن لمدة خمسة عشر عاما مع شقيقه راؤول، واستمر بعد ذلك باستهداف النظام الكوبي السابق حتى بعد خروجه من السجن الى ان فشلت الحكومة في اخراجه من البلاد، حتى انتصر في 8 يناير 1959 ليدخل هافانا فرحا بالنصر النضالي، ثم أعلن عن ثورته الاشتراكية عام 61 فأسس الحزب الشيوعي في كوبا عام 1965 وسمح لآلاف الكوبيين الشبان بالهجرة من كوبا حينما رفضوا البقاء تحت حكم الشيوعية وهجر حينذاك نحو 125 ألف كوبي الى الولايات المتحدة الامر الذي أثر على الاقتصاد الكوبي لينهار في 28 يناير عام 1990، وازداد انهيارا بعد فصل الاتحاد السوفياتي عنها، وايضا بسبب عدم كفاءة الزعيم فيدل في المجال الاقتصادي وفي عام 2004 بدأ الزعيم كاسترو يضعف شيئا فشيئا بسبب المرض وكبر السن فسقط من منصته الرئاسية بعد ان القى خطابا تاريخيا ناريا في سانتا كلارا أمام حشود جماهيرية كبيرة وهي ثاني (سقطاته) الصحية بعدما فقد الوعي وسقط أمام جمهوره عام 2001، والحدث الأكبر كان في عام 2006 حينما نقل السلطة موقتا لشقيقه راؤول في المرة الأولى بعد خضوعه الى عملية جراحية دقيقة لمرض معوي، والمفاجأة التي لا تنسى عند اعلانه عن تخليه عن الرئاسة وقيادة القوات المسلحة في العام المنصرم، ليعلن من خلال الموقع الالكتروني لصحيفة «غراغا» التابعة للحكومة عن استقالته برسالة مذيلة باسمه وبتوقيعه تتضمن عدم رغبته في العودة ثانية لادارة البلاد، نعم انها مفاجأة للعالم أجمع تأتي بعد ان أمضى كاسترو فترة نصف قرن من العطاء السياسي الشيوعي في حكمه، استطاع من خلاله ان يكافح الحصار الاميركي على كوبا من جميع النواحي سواء كانت غذائية او صحية أو مالية وحاولت الاستخبارات الاميركية ايضا ان تغتاله مرات عديدة الا انها لم تنجح بذلك!، الى ان جاء اليوم الذي ابتعد فيه عن السلطة ويقر لشعبه بأنه حان الوقت لقيام ولانتخاب مجلس دولة ورئيسه ونائب رئيس في اشارة منه على عودة البرلمان المنتخب بتشكيل اعلى الهيئات التنفيذية للنظام الشيوعي، وما يطمئن الزعيم كاسترو ان نظامه لا يزال يتكون من عناصر الحرس القديم عند بداياته الأولى من قيام الثورة، وقد عاشر الزعيم فيدل كاسترو حينما كان بطلا من أبطال الشيوعية رفيق دربه الارجنتيني الراحل ارنستو تشي غيفارا وصديقه الحالي الرئيس الفنزويلي هوغو شافيز فقد أسس تحالفا فريدا معه.

ان الشعب الكوبي يعيش في حالة غريبة بعد فقدانه قائدا فريدا من نوعه وخاصة ان 70 في المئة منهم لم يعرف رئيسا آخر غير الزعيم فيدل كاسترو، انهم ما زالوا تحت وقع الصدمة، فمنهم من يتأرجح بين واقع الأمل في التغيير وعدم تصديق واقع الاستقالة من قائد ثوري شيوعي لا يزال على قيد الحياة، لقد خلف راؤول شقيقه فيدل كاسترو في رئاسة كوبا لولاية جديدة من خمسة أعوام مقبلة، على الرغم من كبر سنه مع اقتناعه الكامل بأن لا قائد ثوريا لكوبا سوى أخيه الزعيم فيدل، لذلك سرعان ما طلب من الجمعية الجديدة السماح له باستشارة أخيه في القرارات المصيرية التي تخص الجزيرة الشيوعية، خصوصا الامور التي ترتبط بالامن الدفاعي والسياسة الخارجية والتنمية الاقتصادية في حين لقي الأمر قبولا وترحيبا سريعا بالاضافة الى اعادة تعيين أعضاء الهيئات التنفيذية من عناصر شيوعية في الحرس الثوري القديم حتى تكتمل حكومة «الحزب الشيوعي الواحد»، بينما الواقع يقول ان هذه التعيينات تعتبر الضربة الموجعة لجيل الشباب الكوبي وضربة أخري للمجتمع الدولي الذي يطمح نحو التغيير على الطريقة الديموقراطية في كوبا، ولكنها، من ناحية أخرى، تعبر عن صمود الأنظمة الشيوعية في وجه الدول الغربية والدول الأخرى المعادية لها، وقد كان أمل معظم الدول الكبرى، مثل الولايات المتحدة واسبانيا وبريطانيا وفرنسا، حدوث مرحلة انتقالية ديموقراطية في كوبا عند تسلم راؤول كاسترو سدة الرئاسة، بدءا بتطبيق حقوق الانسان وواجباته عن طريق اطلاق سراح نحو 240 معتقلا سياسيا، والدعوة الى عودة الآلاف من الشعب الكوبي من المنفى، الا ان الرئيس الجديد رؤول قد خفف القيود الصارمة على الكوبيين بنسبة بسيطة وبتغيير محدود في القوانين، كما انه رفع القليل من القيود المفروضة على الاقتصاد وعلى السندات المالية على ان تكون جميعها تحت اطار نظم الاشتراكية السابقة. ان الجالية الكوبية في المنفى او المنشقين عن النظام القائم في الداخل كانوا جميعهم يسعون نحو الاصلاحات والتغيير الكلي في البلاد متفائلين بقدرة الرئيس راؤول على التنظيم واستعداده للاستماع الى آراء الجميع ولكنهم اصيبوا بخيبة الأمل بعدما جاءتهم النتائج، وبعد ان اتبع الرئيس الجديد سياسة أخيه فيدل الاشتراكية المتعصبة خصوصا بعد مقولته: «فيدل هو القائد الأعلى للثورة الكوبية والفريد من نوعه»! واللافت للنظر ان الرئيس الحالي راؤول كاسترو لم يتجرأ على الجلوس بمقعد زعيم الثورة الكوبية فيدل كاسترو في البرلمان حفاظا على مكانته الكبيرة! علما بأن راؤول أحد أبرز القياديين في المدرسة الاشتراكية الكوبية منذ أيام الثورة، وعمل على حماية أخيه الزعيم فيدل حينما كان على رأس ا لجيش، ويسعى راؤول حاليا منذ تسلمه السلطة على تعزيز سلطته من خلال التقيد بخطوات شقيقه فيدل، خطوة - خطوة حتى يحافظ على تجسيد النظام الاشتراكي بالبلاد.

في آخر اطلالة من اطلالاته الفريدة دفع مقالاته المعادية للسياسة الاميركية تجاه الدول الأخرى سخر الزعيم الكوبي فيدل كاسترو من وجود منظمة تحت مسمى منظمة الدول الأميركية ووصفها في مقاله الجديد الذي نشرته وسائل الاعلام الرسمية بانها «سلة مهملات»، وذلك بعد ان علم صدفة بأن منظمة الدول الاميركية لا تزال قائمة من خلال الموقع الالكتروني الذي استبعد فيه الموافقة على اعادة انضمام كوبا الى المنظمة نفسها بشكل فوري عقب قرار تنحيه من السلطة بعد ان استبعدت كوبا منها عام 62، فكتب بسخرية ردا على الخبر: «من يريد الانضمام الى سلة المهملات»! ولا تعقيب على ذلك!

ولكل حادث حديث


علي محمد الفيروز


كاتب وناشط سياسي كويتي

[email protected]