راجح سعد البوص / «طقتين بالراس... توجع»

1 يناير 1970 04:48 م

هنا تتمايز الحضارات وتكشف الدول المدنية عن مكنونها الأخلاقي، بحجة التعبير عن الرأي فلا يمنعهم في تعبيرهم عن آرائهم دين ولا خلق ولا عرف يتطاولون على رسل الرب جل وعلا ويستهزئون بهم. فهذه الصحف الدنماركية تعيد نشر الرسوم الكاريكاتيرية المسيئة لنبينا، متحدية بذلك مشاعر المسلمين، مع العلم أن الرسوم المسيئة التي نشرتها صحيفة «يولاندس بوستن» الدنماركية المرة الأولى أثارت موجة غضب عارمة في العالم الإسلامي ودفعت قطاعات عريضة من المسلمين لمقاطعة المنتجات الدنماركية في الشرق الأوسط وآسيا.

لكن جذوة الغضب الإسلامي سرعان ما خبت وعادت المنتجات الدنماركية، لتطل على أرفف المتاجر الكبرى. وفي هذه المرة جاء الدنمارك بسبع عشرة صحيفة ليسخروا من رسول الله وبمساندة وزير الداخلية الألماني الذي يقول لأوروبا استمروا في استهزائكم على محمد (صلى الله عليه وسلم) حتى نشجع حرية الرأي. أقول لهذا الوزير المثقف المتعلم من علمك لأن تستهزئ بالأنبياء وتدعو الصحافة إلى هذا الفعل؟ هل الكنيسة هي التي علمتك حرية التعبير لتشتم الأنبياء؟ أم القساوسة هم الذين أشاروا عليك بهذا الفعل السيئ؟ لكن الأكيد أن تعاليم الإنجيل لن تؤمن بهرائك، لأنها بشرت بمحمد (صلى الله عليه وسلم) وآمنت به. أما نحن المسلمين فعلمنا محمد أن ندعو الآخر ونحترم رأيه ونوجهه إلى الحق لا أن نسبه ونشتمه أو حتى نستهزئ به، وعلمنا أن نعبد الله ولا نشرك معه أحداً لأن ذلك من تمام العبودية لله، وعلمنا أن نؤمن بجميع الأنبياء وأن نؤمن بجميع الكتب السماوية، وعلمنا أنه آخر الأنبياء والرسل وعلمنا حسن الخلق فقال «إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم وإنما يسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق»، وعلمنا أن نعطف على الشيخ الكبير ونرحم الطفل الصغير، وعلمنا أن نأخذ من أموالنا ما لا نرده على الفقراء والمساكين، وعلمنا أن نحترم عقولنا فلا نشرب الخمر، وعلمنا أن نحترم الجار فقال: «ليس المؤمن الذي يشبع وجاره جائع إلى جنبه»، وعلمنا أن نعطف على الآباء والأمهات ونبرهما حتى بعد موتهما، وعلمنا الكرم والجود وإكرام الضيف، وعلمنا العفو والتسامح، وعلمنا وعلمنا، حتى أن الله مدحه فقال جل وعلا عنه: «وإنك لعلى خلق عظيم». يا وزير الداخلية الألماني ماذا تعلمت من دينك هل تعلمت التسامح والعفو واحترام الآخر أم تعلمت السخرية والاستهزاء واحترام الرذائل وسفاسف الأمور وسوء الخلق، بحجة الدفاع عن حرية الرأي؟ إن الدين الذي لا يدعو إلى احترام الأنبياء، ولا يهذب الأخلاق ليس بدين.

يقول المهاتما غاندي في حديث لجريدة «ينج إنديا» وتكلم فيها عن صفات سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم): «أردت أن أعرف صفات الرجل الذي يملك بدون نزاع قلوب ملايين البشر...». ثم قال: «لقد أصبحت مقتنعاً كل الاقتناع أن السيف لم يكن الوسيلة التي من خلالها اكتسب الإسلام مكانته، بل كان ذلك من خلال بساطة الرسول مع دقته وصدقه في الوعود، وتفانيه وإخلاصه لأصدقائه وأتباعه، وشجاعته مع ثقته المطلقة في ربه وفي رسالته. هذه الصفات هي التي مهدت الطريق، وتخطت المصاعب وليس السيف. بعد انتهائي من قراءة الجزء الثاني من حياة الرسول وجدت نفسي أسفاً لعدم وجود المزيد للتعرف أكثر على حياته العظيمة».

ويقول شاعر الألمان غوته: «بحثت في التاريخ عن مثل أعلى لهذا الإنسان، فوجدته في النبي العربي محمد (صلى الله عليه وسلم)». ويقول أيضاً: «إن التشريع في الغرب ناقص بالنسبة للتعاليم الإسلامية، وإننا أهل أوروبا بجميع مفاهيمنا لم نصل بعد إلى ما وصل إليه محمد، وسوف لا يتقدم عليه أحد».         

ليعلم المسلمون أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتعامل مع اليهود والنصارى في البيع والشراء والمصالح العامة والخاصة. لكن لما نقضوا العهد مع النبي (صلى الله عليه وسلم) أجلاهم (عليه الصلاة والسلام) إلى خيبر، وأجلاهم عمر بن الخطاب الى الشام. أيها المسلمون في المرة الأولى استفزت الدنمارك مشاعر المسلمين بصحيفة واحدة فقط، واليوم جاؤوا بسبع عشرة صحيفة وبحماية وزير الداخلية الألماني. الله يستر من الثالثة لا شك أنها موجعة فلنوجعهم قبل أن يوجعونا فـ «لغة النقود تحل كل قضية... فدع الكلام لجاهل يتشدق». إذا أردتم البركة في أحوالكم وأموالكم وأولادكم فانصروا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ولو بالقليل كأن تقاطع منتجاتهم ديانة وقربة إلى الله، «فلا نامت أعين الجبناء».

حكمة اليوم:

«من يستنعج تأكله الذئاب»، حكمة دنماركية.


راجح سعد البوص

كاتب كويتي

[email protected]