ملكــة الليــل بديعة مصابني الحلقة الثانية / جاءت برفقة والدتها للقاهرة بحثا عن فرصة

باحثة عن الشهرة... في عاصمة الفن العربي

1 يناير 1970 04:02 ص
| القاهرة - من محمود متولي |

أكثر من «30» عاما قضتها الراقصة اللبنانية «المولد» والمصرية «الإقامة» ذات الشهرة الواسعة بديعة مصابني، التي تقترب أحداث حياتها من الأساطير بعد أن صالت وجالت في** عالم الفن منذ انتقالها من بلاد الشام إلى القاهرة في عام 1910.

استطاعت مصابني ـ بحسب مذكرات وحوارات ومقالات رصدتها مسيرة حياتها ـ أن تحقق خلال مشوارها الفني الحافل شهرة طاغية فقد تربعت على عرش الرقص الشرقي لأكثر من ربع قرن، وحظيت بالعديد من الألقاب منها «الراقصة الأولى في مصر والشرق الأوسط» و«ملكة الشيشة والنرجيلة»، و«ملكة الملاهي الليلية» وغيرها...

ولعبت الفنانة مصابني خلال فترة عملها دورا مؤثرا في الحياة السياسية بمصر بل وشكلت جزءا من تاريخ مصر الفني والسياسي والاجتماعي، ما جعلها تمتلك سطوة وسلطانا يفتقده الكثير من الرجال سهَّل مهمتها في السيطرة على صعاليك وفتوّات شارع «عماد الدين» ورجال السياسة والحكم والاحتلال الإنكليزي آنذاك الذين كانوا زبائن دائمين في صالاتها. كما تخرّجت على يديها عشرات الراقصات اللاتي حققن انتشارا بعد ذلك مثل تحية كاريوكا وسامية جمال وحكمت فهمي وصفية حلمي وببا عزالدين وغيرهن.

في هذه السلسلة نستعرض سيرة بديعة مصابني وحكايتها في حلقات عبر سطور «الراي» ونسلط الضوء على مسيرتها الفنية وعلاقتها بالحياة السياسية المصرية في تلك الأيام:

قررت بديعة في العام 1910 ترك لبنان والمجيء إلى عاصمة الفن والأدب «القاهرة» - وهي لم تزل في أول الصبا إذ لم تكن بلغت الثامنة عشرة من عمرها، ووصلت مصر ولم تكن تعرف فيها أحدا، وجالت في شوارعها حتى قادتها قدماها - وكانت معها أمها - إلى حديقة الأزبكية في وسط القاهرة، وجلست في الحديقة تفكر ماذا بعد؟

كانت حديقة الأزبكية في تلك الأثناء، تموج بالصالات التي تقدم الفن المصري، وكانت أشهرها صالة «سانتي»... التي كانت تغني فيها واحدة من أشهر مطربات مصر في ذلك الزمن «توحيدة» - وهي الصالة نفسها التي شهدت بداية شهرة سيدة الغناء العربي أم كلثوم ـ وفي حديقة الأزبكية - أيضا - كان هناك كشك الموسيقى الذي تعزف فيه موسيقى الجيش أعظم المؤلفات الموسيقية العالمية.

جلست بديعة وأمها - كما ذكرت في مذكراتها التي كتبتها الكاتبة نازك بسيلا - تتأمل هذا الجو الرائع المحيط بها وهي فنانة بالسليقة، تعشق كل ما هو جميل في الحياة، وما لبثت بعد تفكير قصير أن فكرت في بلدياتها «جورج أبيض» الذي كان قد شغفه المسرح حبا، فكون فرقة تمثيلية يقدم فيها بعض الأعمال، فذهبت إليه وعملت معه في مسرحه فترة قصيرة، ومنذ اليوم الأول - الذي عملت فيه - برزت كفنانة وراقصة جذبت قلوب الرجال وأنظارهم، فقد كانت ذات مواهب متعددة في الرقص والغناء والتمثيل... لما سمع أحمد الشامي - وكان فنانا مصريا، كون فرقة تمثيلية - عن بديعة ـ سعى إليها ليضمها إلى فرقته، التي كان يجوب بها مدن ومراكز مصر يقدم مسرحيات فيها من الغناء والرقص وكل ما يرضي ذوق المتفرج الشرقي، إذ كان يبحث عن بطلة تتمتع بتلك المواهب المتعددة، ووجد في مصابني ضالته وأسند إليها أدوار البطولة مقابل راتب شهري كبير بعد أن تفوقت على جميع بطلات الشامي برقصها وغنائها وتمثيلها.



انتقام

وقالت مصابني في مذكراتها: أحمد الشامي كان معجبا بصوتها، حيث وصفت هذا الصوت بقولها: «كان جهوريا رنانا، كما كانت ألفاظه واضحة، إذ لم يكن لدينا آنئذ مكبرات تشوه الصوت، وتجعل من قطة تموء مطربة ناجحة أو ممثلة كبيرة، بل كان علينا أن نُسمِع جمهورنا حتى لو بلغ عدده المئات. وهكذا كان الصوت القوي أحد أهم مقومات النجاح»... وقد رشحها ذلك للعب دور البطولة في مسرحية «الابن الخارق للطبيعة» في فرقة الشامي.

وهي علقت على ذلك بقولها: «تلقفت هذا الدور بلهفة وإعزاز، ووقفت عند تلك الدقيقة... أستعيد في ذاكرتي ثمنها وما بذلته من تضحيات لأقف على خشبة المسرح، أعيش الأدوار التي لم أتمكن من أن أحياها في دنياي القاسية، سأنتقم من قسوة والدتي وأشقائي بتمثيل دور الصبية المرفهة التي يتسابق الجميع لإرضائها واكتساب ودها، سأنتقم من الوحش الذي شوهني وأنا في السابعة من عمري بتمثيل دور الغانيات اللواتي يرتمي على أقدامهن هؤلاء الذين ترفعوا على فقري. مساكين هؤلاء، لقد جاء وقت الحساب، وسيكون حسابهم عسيرا، سيرتمون على قدمي خارج المسرح أيضا، سأزدري مالهم، وأرغمهم على أن يدفعوا من كرامتهم ثمن كرامتي أنا، تلك الكرامة التي لم يساعدني إنسان على صيانتها والاعتزاز بها».



بيروت... القاهرة

كان نجاح بديعة مع فرقة أحمد الشامي... ومع ذلك تركت الفرقة وعادت إلى بيروت وفي لبنان واصلت رحلتها الفنية بنجاح، غنت ورقصت وأصبح لها اسمها في بلدها... اعتلت خشبة المسرح ولم تزل تحمل اسمها الحقيقي بديعة، وتقول إن الناس لقبوها ببديعة لجمالها ولم ترضَ تغيير اسمها عندما عملت في الفن.

في تلك الأثناء جمعتها الصدفة بالممثل نجيب الريحاني الذي قرر التعاون معها بعمل مشترك، وأعدّ لها مع بديع خيري مسرحية «الليالي الملاح» التي نجحت فنيا وجماهيريا، وأسهمت في تعريف الجمهور ببديعة مصابني، وسرعان ما أصبحت بطلة مسرح نجيب الريحاني الذي قدمها في عشرات المسرحيات الغنائية الأخرى التي اشتهر بها مسرحه ومسرح علي الكسار في منتصف القرن العشرين، عندما أثرى الموسيقيون المصريون هذا المسرح بألحان رائعة، ومنهم فنان الشعب سيد درويش والعبقري كامل الخلعي وإبراهيم رمزي وداود حسني ومحمد القصبجي وزكريا أحمد وغيرهم.

قدمت بديعة خلال هذه الفترة الزمنية مع الريحاني أعمالا ناجحة عدة منها «الشاطر حسن»، «الليالي الملاح»، «أيام العز»، «مجلس الأنس»، «ريا وسكينة»،«البرنسيسة» وغيرها.

وفي هذه الأثناء... اتفقت مصابني والريحاني على الزواج، بعد أن أحب كل منهما الآخر، وعلى الرغم من ذلك الحب وعاشا زمنا قصيرا في وفاق، فإن الحياة بينهما لم يقدر لها الاستمرار ثم دب الخلاف بينهما لاختلاف طباعهما، لذا قررا الانفصال في العام 1925، وأسست مسرحا استعراضيا لها، ومن خلاله جمعت ثروة طائلة.

وقد قست في حكمها على الريحاني في حديث إذاعي أُجري معها قبل وفاتها عن سبب هذا الفراق أو الطلاق.



سيدة بتلعلع

قال الريحاني في وصف بديعة ـ بحسب مواقع فنية ومذكرات فنية عديدة قلبنا في أوراقها، ونحن نجهز لهذه الحلقات: «في أولى حفلاتها هناك - يقصد لبنان - لفت نظري سيدة «بتلعلع» وقد ارتدت أفخم ملبس وتحلت بأبهى زينة... لم أعرفها حقا، لكن تنبهت لوجودها، وفي فترة الاستراحة بين الفصول، أدهشني أن وجدت هذه السيدة بذاتها تحضر لتحيتي وتهنئتي في حجرتي بالمسرح. ويظهر أنها لاحظت ما أنا فيه من ارتباك، فدفعها ذكاؤها إلى أن تعرفني بنفسها فقالت: «إلا أنت مش فاكرني ولا إيه؟ أنا بديعة مصابني اللي قابلتك في مصر وكتبت وياك كنتراتو ولا اشتغلتش».

كان طموح بديعة أكبر من مسرح الريحاني وبيته، وسعت بجدية لتحقيق تطلعاتها واستطاعت افتتاح أول صالة رقص تملكها راقصة وهي مكان فندق «شيراتون» القاهرة الآن ـ «قريبة من معسكر الإنكليز في قصر النيل» في هذا الوقت القديم ـ أصبح كازينو بديعة مؤسسة هي الأولى من نوعها في مصر والمنطقة - آنذاك - وسجلت باسمها رقصة خاصة بالشمعدان. وبعد ذلك أصبح الكازينو مدرسة تخرّج منها العشرات من أشهر مطربي ذلك الزمن، مثل فاطمة سري التي لحن لها وكيل معهد الموسيقى العربية صفر بك علي أغنية: «رنة خلخالي يا امة وأنا نازلة أملا البلاص».

كما انضم للفرقة الفنانة الناشئة - في ذلك الوقت والمطربة الكبيرة بعد ذلك - نجاة علي، واشتهرت في صالة بديعة بطقطوقتها «سر السعادة في شفتيك».

كما انضم للفرقة الشيخ سيد الصفتي، الذي كان يجيد غناء الأدوار التي صاغها الرواد محمد عثمان وعبده الحامولي وإبراهيم القباني وغيرهم، ومن أهم الفنانات اللاتي نجحت بديعة في ضمهن لفرقتها الوليدة، مطربة القطرين فتحية أحمد التي كانت المنافسة الأولى لكوكب الشرق أم كلثوم عند ظهورهما معا، كما استعانت بديعة في صالتها بالراقصين والراقصات الأجانب الذين كانوا يقدمون فصولا من الباليهات العالمية.

ومن لبنان جاءت بالراقصة الشهيرة - حينئذ - في بلدها «ببا عزالدين» وأختها «شوشو عزالدين» وأيضا عديلة، التي لم تعمل بالرقص، كما جاءت بمطربة رائعة الصوت ماري جبران التي كانت تجيد الموشحات والأدوار المصرية وكانت جميلة الوجه جدا لكنها في الوقت نفسه زائدة الوزن جدا، ولعل هذا كان سببا في عدم ذيوع شهرتها.



مسرح دائري

شيدت مصابني أول مسرح دائري... بحيث يرى جميع المشاهدين ما يجري على المسرح وهم جالسون في أي مكان بالصالة، وهذا البناء باعته بديعة إلى تلميذتها «ببا عز الدين» قبل أن تهرب من مصر بسبب مشكلاتها مع الضرائب، وهذه الصالة المميزة هدمت أخيرا وشُيد مكانها مبنى تجاري.

وفي الصيف... كانت بديعة تنتقل بنشاطها إلى كازينو بديعة - مكان شيراتون القاهرة الآن ـ حتى أصبح هذا المكان يشتهر باسمها، وكانت العامة تسمي الكوبري الذي يوصل إليها «كوبري بديعة»، وكان يتولى إدارته الفنان الشعبي سعد الله المصري.

ومما يذكر أن بديعة كانت على صلة برجال الاحتلال الإنكليزي وكانت تقدم أعمالا فنية ضد قوات النازية والمحور إبان الحرب العالمية الأولى.