نحن مدعوُّون اليوم لنعيش حالةً من التنوع الفكري والتمازجِ في الأذواق لِقبول الأشياء من حولنا أو على الأقل لاحترامِ قبولِ الآخرين لها، وبما أننا على مقربة من الشهر الكريم لا نريد أن نحصر التنوُّعَ ونجعلَهُ فقط على طاولة الإفطار في شهر رمضان! فكما أن للجسم غذاء مُنَوَّعاً يُكسِبُ صاحبَه الصحةَ والعافية، فللعقل أيضاً أبواب مفتوحة من المعرفة إن طرقْناها اكتسبنا مزيداً من الأفكار وربما تمازجتْ مع أفكارنا وخلُصنا إلى ميلاد أفكار جديدة، هذا إن طرقنا بعقولنا أبوابَ المعرفة المختلفة! دعونا نعالج أموراً ترتبط باستفزاز عقولنا بفضولٍ نحو معرفة الآخر، فلو رفضنا قراءةَ كُتُبِ ومؤلَّفاتِ الذين نختلفُ معهم في الفكر فكيف يمكننا مناقشتُها بقبولٍ أو رفض؟! فعلى سبيل المثال سيكون من قلة الدراية أن نقرأ كتاباً في تحليل وشرح المعلقات العشر قبل أن نقرأ نَصَّ هذه المعلقات، ومن جانب آخر إن قررنا مثلاً قراءة كتاب في العقيدة والإيمان عند المسلمين وَجَبَ علينا أنْ نقرأَ كُتُباً ألَّفها علماء المسلمين في هذا الباب لا أن نقرأ مُسبقاً كُتبَ المستشرقين عن عقيدة المسلمين إلاّ بعد التأكد من فهمنا هذا الجانب من أهله، لذلك سنكون مخطئين إن رفضنا قراءةَ كُتُبِ ومؤلَّفاتِ المخالفين لنا في الفكر والرأي بحجة أننا نُميِّزُ الغثَّ من السمين، وكيف نُميِّزُ السمين من النظرة الأولى؟! لو كنا في سوقٍ لبيع الخرفان أو في المسلخ ربما كان الكلام مقبولاً مع أن العرب لا تتأكد من الخروف السمين والطريِّ اللحم بشكل دقيق إلا بعد مَسْكِهِ باليد وتفقد أسنانه مثلاً وأشياء أُخرى، أما نحن يا سبحان الله نُميِّزُ الكتابَ الذي ينفعنا من النظرة الأولى إلى عنوانه أو ربما إلى اسم مُؤلِّفه! علينا أن نلْتَفِتَ إلى دوائر قراءتنا ومصادر معلوماتنا ونزيد من مساحاتها، فقبل أن نُحرِّمَ الثورةَ في بلدٍ ونُفْتي بجوازها في بلدٍ آخر علينا أن نرفع درجة وعينا ونعترفَ بضعف درايتنا وارتباكنا في التعامل بعمق مع فقه الأولويات. ما يحدثُ أمامنا الآن في ليبيا وما حدث ويحدثُ حتى الآن في مصر وفي تونس، وحَدِّثْ ولا حرج عمّا يحدث في اليمن، لِنُصارِح أنفسنا؛ كل ما يحدث من الصعب أن نطلق عليه كلمة ثورة.
علي سويدان
كاتب وأكاديمي سوري
[email protected]