مشاهد / مطربة الزمن الجميل

1 يناير 1970 05:39 م
| يوسف القعيد |

رأيت سعاد محمد مرة واحدة... عندما اكتشفوا في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي أن لها فيلما من إنتاجها... أنتجته سنة 1948 عن القضية الفلسطينية، وأن هذا الفيلم عنوانه: «فتاة من فلسطين»، وأن مخرجه هو: محمود ذو الفقار.

عرضت نسخة من الفيلم في المهرجان، وجاءت سعاد محمد لتحضر العرض. رأيتها، ورغم مساحة صوتها وعمقه وعملقته، كانت ضئيلة الحجم هشة الحضور، بل ربما كانت خجول تحاول الابتعاد عن الأضواء. ليس لها تأثير حضور المطربات عادة.

لن أقارن أبدا. بين اليوم الذي رأيت فيه أم كلثوم لمرة وحيدة في مبنى الإذاعة... ورؤيتي لسعاد محمد، مع أن السؤال الذي دار في ذهني وأنا أشاهد سعاد محمد وحاولت النفاذ إلى ما وراء شكلها وهيئتها التي كنت أراها.. كان سؤالا عن المقارنة بين المطربتين: سعاد محمد وأم كلثوم... ليس بين الشهرة ولا التأثير. ولا حتى في اختصار الغناء كله في شخص أم كلثوم لزمن طويل. ولا أيضا في مدى الظلم الذي حاق بسعاد محمد والانصاف الذي أحاط بأم كلثوم طوال حياتها.

أعرف أن المقارنة ربما كانت ظالمة بلا حدود لأم كلثوم. وربما رفعت كثيرا جدا من شأن سعاد محمد. ولكن هذا ما جال بخاطري، وسأدون الأفكار التي تجولت في عقلي وقت مشاهدتي لسعاد محمد ومشاهدة الفيلم في حضورها.

من المعروف أن هذه نقيضة تلك. مدرستان في الأداء والعمل والإيمان بالرسالة... أم كلثوم اعتبرت أن الغناء كل حياتها، لم يكن هواية ولا موهبة ولا تكسبا وبحثا عن المال، ولكنه كان وسيلتها ربما الوحيدة للتعبير عن نفسها إزاء العالم... لدرجة أن أحمد رامي عندما وقع في حبها وأغرم بها وطلب الزواج منها رفضت ذلك.

وكان الرفض بسبب له علاقة وثيقة بالغناء... لأنها أدركت أن الزواج والغناء وانطفاء جذوة الحب سيؤثر سلبا على هذا الينبوع المتدفق بداخله، والذي يمكنه من قول الشعر بكل تدفق. أما في حالة عدم الزواج فسيستمر التدفق في الإبداع.

وهذه الحكاية كتب عنها الروائي اللبناني سليم نصيب رواية أكثر من جميلة. عنوانها: «كان صرحا من خيال».

أما سعاد محمد فقد قالت أكثر من مرة: عندما كان عليَّ أن أختار بين الأمومة والغناء... أجلت الغناء واخترت الأمومة. وهكذا تزوجت ثلاث مرات وأنجبت عشرة من الأبناء وتفرغت لتربيتهم... وكانت منهم واحدة مطربة. غنت في حياة أمها فترة ثم اعتزلت الغناء، وأنا هنا لا أقلل من فكرة زواج الفنان واهتمامه بحياته العائلية ولا إنجاب الفنانة أيا كان العدد الذي يمكن أن تنجبه، ولكني أتحدث فقط عن التأثير السلبي الذي يمكن أن يمارسه حرص الفنان على بيته وأسرته وأولاده على حساب فنه.

طبعا من الأخطاء الكبرى في حياة المطربة سعاد محمد أنها لم تدرك قماشة صوتها. ولا إمكانياتها الصوتية في الغناء. ولذلك استمرت حتى آخر العمر في أداء أغاني الآخرين... وهذا شكل من الغناء قد يكون مقبولا في الأيام الأولى من عمر المطربة. لكن الاستمرار فيه إلى الأبد ضار جدا بموهبة المطربة وصورتها لدى المستمعين. فالتقليد وغناء أغاني الآخرين لا يمكن أن يصنع اسما كبيرا.. لدرجة أن سعاد محمد عندما توفيت أجمع كل نقاد الغناء والموسيقى على أن أداءها لدور: «أنا هويت وانتهيت» لسيد درويش هو أفضل ما قدمته في حياتها. ولو حاول الإنسان أن يتذكر 6 أغانٍ جيدة لها سيكتشف بعد أن يتعب نفسه أن نصفها أغاني آخرين غنتها والنصف الآخر أغانٍ كتبت لها ولُحنت من أجلها.

لا أريد أن أمارس معها القسوة في الحكم بعد أن رحلت عن عالمنا. فقد عثرت على حديث مبكر لها قالته بعد حضورها إلى القاهرة مباشرة، وقالت فيه انها لا تجد الشعراء الكبار الذين يكتبون شعرا لها. ولا الملحنين العظام الذين يلحنون أغانيها. وتلك أزمة المطربين عندما يمرون بالمنطقة الرمادية. فلا هم يمرون بحالة من عدم معرفة الناس بهم ولم يصلوا بعد لشهرة كاسحة.

لكن المطرب الذي يمر بتلك المرحلة الرمادية إن اكتشف أن تقليد أو غناء أغاني الآخرين يشكل حلاًّ ففي تصوري أنه حل انتحاري. وقد يكون مقبولا باعتباره مرحلة قصيرة يمكن أن تمضي. أما الاستمرار فيه حتى آخر العمر فهو يقضي على صاحبه أو صاحبته.

الحياة اختيارات... وكل منا يختار ما يناسبه منها. ومن الصعب أن يتوقف الإنسان في لحظة من العمر ليسأل نفسه إن كان هذا الاختيار صحيحا أم لا... لأن الحياة تمضي إلى الأمام. ونحن ندرك مغزى ودلالة ما قمنا به، ولكن بعد فترة من الوقت. عموما حكاية سعاد محمد فيها أكثر من دلالة يمكن التوقف أمامها الآن.

لبنانية من أب مصري من صعيد مصر... ترعرعت موهبتها في سورية.. جاءت إلى القاهرة عندما كانت مصر قبلة لكل العرب. جاءت مع فايزة أحمد وأحلام وصباح ونجاح سلام ونور الهدى وفريد الأطرش. جاءت لتجد في مصر مواكب من المطربين العمالقة: عبدالوهاب وحليم وأم كلثوم وشادية وليلى مراد. يقف وراءهم طابور طويل من مطربي الصف الثاني: محمد قنديل وعبدالمطلب وكارم محمود ومحمد رشدي.

كانت في مصر نهضة أكثر من نادرة في الغناء والمسرح والسينما والكتابة الأدبية والصحافة... وكانت مصر تقود الأمة العربية بالكتاب والاسطوانة ولوحة الفن التشكيلي والفيلم السينمائي والأغنية. ثمة نهضة مجتمعية اعتبرت أن الفن والأدب يشكلان جزءا أساسيا من بناء المجتمع المصري الجديد.

حاولت سعاد محمد أن تجرب نفسها في التمثيل... وقدمت فيلمين: «فتاة من فلسطين». و«أنا وحدي» سنة 1952، ولكنها لم تتقدم كثيرا في هذا المجال. أيضا دخلت ميدان أن تغني بصوتها غناءً يصاحب أحداث الأفلام. وأكبر مثال على هذا فيلم «الشيماء». لكن الناس لم تنتبه كثيرا لصاحبة الصوت التي تغني وقت تمثيل أحداث الفيلم.

في زمنها كان الغناء والإنشاد الديني له قدر كبير من الاهتمام. وقد حاولته وقدمت أكثر من أغنية دينية. لكنها لم تصل في هذا الميدان إلى نهايته. أي أنها جربت الكثير من أشكال الغناء، لكن المشكلة أن كل هذه التجارب لم يكن يقف وراءها مشروع فني كبير ترعاه وتسعى لاستكماله وتحاول الوصول فيه إلى الكلمة الأخيرة.