علي محمد الفيروز /إطلالة /أنابوليس في مهب الريح

1 يناير 1970 09:37 م



منذ بداية اشتعال الصراع الدائر بين حركتي «فتح» و«حماس» على السلطة، والأوضاع السياسية مع القضية الفلسطينية في تدهور مستمر سواء ان كانت في الداخل أو في الخارج، ما يدل على ان هناك نظرة تشاؤمية تجاه كل ما يتعلق بالقضية الفلسطينية ومصير شعب فلسطين الجريح، ان عملية السلام بين الفلسطينيين والصهاينة والتي تتحدث عنها معظم الدول العربية والاجنبية أصبحت «حبرا على ورق» لا أكثر، أو بمعنى آخر «تصريحات» عن انعقاد مؤتمرات من دون واقع ملموس في تطبيق الأهداف، وكأننا نعيش مع قضية هامشية لا قضية شعب له حقوقه وواجباته، لقد تحدثت سابقا عن ان القيادة الفلسطينية مع جميع فصائلها وقواها لا يمكنها ان تحل القضايا الداخلية من دون صفاء النفس والنية، وعليها ان تحاسب نفسها أولا، في حين كان «اتفاق مكة» في فبراير 2007 الماضي حين اجتمعت مع القيادات الفلسطينية أحد أهم الركائز الاساسية لنصرة القضية الفلسطينية بحضور وبدعم العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبدالعزيز (حفظه الله) ولكن بكل أسف جميع الجهود الحثيثة قد تبخرت وأصبحت القضية قضية صراعات داخلية من أجل السباق نحو السلطة وكيفية ادارة مؤسساتها! اننا من هذا الجانب نتساءل: من يدفع ثمن تشتيت الشعب الفلسطيني في غزة، ومن يدفع ثمن هجرة الفلسطينيين الى المناطق المجاورة؟ ومن يدفع ثمن الفوضى والفلتان الأمني واراقة المزيد من الدماء داخل قطاع غزة؟ ومن يدفع ثمن زيادة الجوع والحصار الاسرائيلي على قطاع غزة والقطاعات الأخرى؟

بالتأكيد تتحمل حركتا «فتح» و«حماس» مسؤولية ما آلت اليه الأوضاع الأخيرة وانتكاساتها، لانهما معا لم تلتزما بالعهود والوعود، بل انهما خرقتا الاجتماع الوطني الفلسطيني الذي تحقق في أهم وثيقة، وهي «وثيقة الوفاق الوطني» حتى تركا آمال الشعب الفلسطيني وفضلا النهج السابق الذي من ورائه الصراع من أجل كرسي السلطة، الى ان ضعف موقف المقاومة الوطنية الفلسطينية والعربية معا وتبعثرت أيضا العملية السياسية والتفاوضية.

كلنا يعلم ان الانقسام الفلسطيني الحالي وغياب التضامن المشترك ساعد الاعداء على زيادة الضغوط على الشعب الفلسطيني حتى يستسلم لواقع الأمر، وقد لاحظنا ذلك من خلال انتزاع تنازلات كبيرة عن الأراضي وعن الحقوق والواجبات في ظل «التدهور الانقسامي» بين الحركتين، ما جعل حل عقدة الحوار بينهما أمرا في غاية الصعوبة في حين جميع الفصائل الفلسطينية بحاجة ماسة الى العودة نحو الحوار الوطني الشامل لتطبيق وثيقة الوحدة الوطنية. مع التأكيد على عدم نسيان وثيقة الاسرى والوفاق الوطني التي جرت عام 2006، كما كان من المفترض على جميع الفصائل والقوى الفلسطينية التأكيد بوجود النية الحسنة حتى ولو كان هناك اختلاف في وجهات النظر، فهذا لا يعني تمزيق مبدأ الاخوة والعلاقات الحميمة، فاستمرار الاقتتال الداخلي لفرض القوة بين البعض وفصل غزة عن القدس والضفة ليس في صالح الجميع، ولا يمثل أي طريق لتطبيق الوحدة الوطنية، والانقلاب العسكري الذي اتخذته حركة «حماس» داخل قطاع غزة يمثل استمرارا للتوتر والصراع الدموي بين الاخوة الفلسطينيين لا سيما ان الوضع الفلسطيني الآن دخل في مرحلة الخطر مع تنامي الاطماع الاسرائيلية والاصرار الاسرائيلي على القيام بعمليات عسكرية شاملة عدة مما يثير مخاوف شديدة في نفوس الفلسطينيين، فهل يجوز استمرار الاقتتال الداخلي بين الفصائل من جهة، واستمرار الغارات الجوية الاسرائيلية المتواصلة من جهة أخرى!

حقيقة لا أعتقد بأن هناك آمالا عربية حقيقية في شأن نجاح الدعوة الاميركية الى لقاء أنا بوليس، والذي أشبهه بمثابة حلقة من مسلسل «السلام الضائع في الشرق الأوسط»! بل في اعتقادي انه دعوة أميركية سوف يتم من خلالها إلقاء تبعية فشل جهود السلام على الجانب الفلسطيني فقط، فالمؤتمر بحد ذاته مبني على أجندة ذات مرجعيات هامشية لا تستند إلى قرارات الشرعية الدولية وحلولها، ولا على اعطاء أي دور متواجد للجنة الرباعية الدولية او الأمم المتحدة، وبالتالي كيف يحق لنا ان نعطي لمؤتمر أنا بوليس آمالا في تنشيط عملية السلام بين الطرفين الفلسطيني والاسرائيلي، ففي نظري سوف تكون عواقب فشلها وخيمة!

نحن نستغرب من دور رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس نحو تفعيل عملية السلام، فنجد ان استمرار لقاءاته مع رئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود أولمرت ليس له معنى، خصوصا في الوقت الذي تشن فيه القوات الصهيونية غارات برية وجوية على قطاع غزة، وتنفذ بذلك اقذر عمليات الاعتقال بحق ناشطين فلسطينيين في الضفة الغربية والقطاعات الاخرى، فالتعويل على اللقاءات المتكررة بين الرئيس عباس واولمرت لم يستفد منه الفلسطينيون شيئا سوى ضياع الوقت والحقوق، في ظل استمرار بتنفيذ المزيد من الجرائم الاسرائيلية، وما زال الرئيس عباس يقدم تنازلات بحق شعبه ووطنه، وها هي اسرائيل الآن تقوم بمصادرة 1100 دونم من الاراضي الفلسطينية حول القدس، وهناك خطة اسرائيلية على عزمها بقطع العلاقات الاقتصادية في قطاع غزة كخطوة أولى لفرض العقوبات، بعد الاعتداءات الاسرائيلية الأخيرة على الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال، واحداث سجن «النقب» الصحراوي، واصابة 250 فلسطينيا، هناك مطالبات شعبية وبرلمانية للرئيس محمود عباس بوقف أي مفاوضات فلسطينية مع الاحتلال والدعوة الى تراجع الرئيس عباس عن المشاركة في مؤتمر الخريف للسلام، وذلك للعودة نحو احضان الشعب الفلسطيني الجريح ليتم من جديد تفضيل الحوار الفلسطيني الداخلي.

أوساط سياسية قريبة من الملف الفلسطيني تجد ان هناك صعوبة في ايجاد تسوية للوثيقة التي يعكف الاسرائيليون والفلسطينيون على وضعها في مؤتمر أنا بوليس المقبل لاستخدامها كأساس للمفاوضات كونها تحتوي على ست نقاط أساسية «معقدة»، وهي كقضايا الحدود والقدس والمستوطنات واللاجئين. الا ان الرئيس الفلسطيني محمود عباس متفائل جدا في شأن التوصل الى حلول سلام في أنا بوليس ولا نعرف كيف؟ وفي السياق نفسه حذر خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز من مغبة فشل مؤتمر السلام الدولي في أنا بوليس ما لم يتم الاعداد له بصورة جيدة عن طريق تفعيل القضايا ودعوة جميع الدول المعنية، هذا وقد دعا المجتمع الدولي الى ضرورة ان يأخذ القضية الفلسطينية بصورة جدية، ثم أشار في ختام حديثه الى انه على ثقة بأن «الفلسطينيين لا يشعرون بالتفاؤل»... وهذا ما يعكس رد فعل رئيس السلطة محمود عباس... ولكل حادث حديث.


علي محمد الفيروز


كاتب وناشط سياسي كويتي

alfairouz61alrai.yuahoo.com