كان لمراسم الإعلان عن اتفاق المصالحة الوطنية الفلسطينية في القاهرة للتوقيع على الورقة المصرية بمشاركة الرئيس الفلسطيني محمود عباس ورئيس المكتب السياسي لحركة المقاومة الإسلامية خالد مشعل ووزير الخارجية المصري د. نبيل العربي وبحضور ممثلي الفصائل الفلسطينية أكبر الاثر الطيب للشعب الفلسطيني الذي عانى مدى الأعوام الخمسة الماضية من ويلات حالة الاقتتال الداخلي، ودفع الجميع ثمناً باهظاً لحالة الانقسام والصراع السياسي في السلطة الوطنية الفلسطينية، ومن تراجع القضية الفلسطينية الى ادنى مستوياتها الأمر الذي عزز دور الاحتلال في أطماعه الصهيونية.
أما الآن وبعد تحقيق اتفاق المصالحة الفلسطينية، آن الأوان لأن يتطلع الشعب الفلسطيني الى طريق مستقبله بأمل وبتفاؤل كبير حيث من المتوقع من كافة الأطراف السياسية الفلسطينية المضي قدماً في خطوات جادة وسريعة لإعادة الاعتبار لمؤسسات السلطة الوطنية و«منظمة التحرير» على أساس الشراكة الحقيقية للجميع دون تمييز، فالتوقيع على الورقة المصرية يعني انجاز الوحدة الفلسطينية وإنهاء قضية الانقسام وهو مدخل مهم للحفاظ على القضية الفلسطينية وبناء المجتمع المدني الفلسطيني القائم على التعددية والحرية والديموقراطية الصحيحة والتداول السلمي للسلطة، كما أن التوقيع للمصالحة يعتبر خطوة ايجابية كبيرة للعالم العربي وانجازاً تاريخياً للشعب الفلسطيني ولنظامه السياسي وله آثاره الايجابية على المستويات ومناحي الحياة كافة، أما من جانب آخر فهو يعني سحب الذرائع والمسببات من حكومة العدو لأنه يحقق وحقق الموقف الفلسطيني لاستكمال المشروع الوطني في تحقيق تطلعات الشعب في انهاء الاحتلال واقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.
لقد كان من أهم النقاط الرئيسية في الاتفاق الفلسطيني الأخير انه ينص على تشكيل حكومة من المستقلين للتحضير لانتخابات رئاسية وتشريعية متزامنة في غضون عام واحد، ولكن حتى ذلك الحين يجب الابقاء على الوضع الراهن سواء في عملية المفاوضات مع اسرائيل أو الابقاء على سيطرة كل من «حماس» و«فتح» في القطاعين، وأيضاً من العوامل التي تساعد على تعزيز عملية الاتفاق عند تشكيل حكومة انتقالية الاشراف على تنفيذ بنود الورقة المصرية وتطبيقها عملياً وهذه خطوة جيدة نتمنى ألا يكون التعامل معها كبنود «معاهدة مكة» السابقة التي اصبحت مع الاسف حبراً على ورق!
إن أفضل ما أعلنه الجانبان في عملية المصالحة تأكيدهما على انهما عازمان على طي صفحة الانقسام السوداء الى الأبد وتمسكهما بالهدف الوطني الفلسطيني في اقامة دولة مستقلة ذات سيادة على أرض الضفة الغربية وقطاع غزة من دون تنازل الطرفين عن أي شبر أو عن حق العودة، ونرى هنا تذرع إسرائيل بالمصالحة للتهرب من عملية السلام وعملية المفاوضات السلمية وهذا بالطبع ليس غريباً على حكومة نتنياهو التي تتدخل في الشؤون الداخلية لفلسطين وتسلب حقوق شعبها وتصادر آلاف الدونمات من الأراضي الفلسطينية والمزارع وتهدم البيوت الفلسطينية وتهيمن هيمنة كاملة على القدس الشريف، ثم تدعي بطرح مبادرة سلام لحل الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني يستند الى حل الدولتين عجباً حينما تطالب إسرائيل «حماس» بأن تؤكد على انها تعترف بدولة اسمها اسرائيل وتريد منها أن تندد بالإرهاب وهي التي تمارس الإرهاب بعينه على الأراضي الفلسطينية، أن فعلاً سلوك يتسم بالبلطجة!
وها هم يسمون اتفاق المصالحة الفلسطينية بضربة قاسية للسلام ولا يحترمون الالتزامات التعاقدية المترتبة على الجانبين ولكنها شكل من أشكال العقوبات الجماعية لقطع الطريق أمام استحقاقات أيلول! وكما يبدو أن الاتفاق التاريخي للمصالحة الفلسطينية قد أشعل نيران الفتنة والحقد والكراهية عند الحكومة الإسرائيلية والتي بدورها طالبت السلطة أن تختار بين السلام مع إسرائيل أو مع «حماس»، فيما طالب الرئيس عباس الجانب الإسرائيلي الاختيار ما بين الاستيطان والسلام أيضاً... وفي آخر لقاء صحافي هددت إسرائيل عن طريق وزير خارجيتها ليبرمان باللجوء الى حزمة عقوبات إسرائيلية تعتبر اجراءات انتقامية واصفاً المصالحة بأنه اتفاق تخطى الخطوط الحمراء... هذا ومن بين هذه التهديدات الاجرائية تجميد تحويل الضرائب المتقطعة والجمارك لحساب السلطة الفلسطينية.
والبقية ستأتي! ومن هنا نطالب المجتمع الدولي بدعم اتفاق المصالحة الفلسطينية وتوفير أجواء المفاوضات الجدية، فضلاً عن وقف جميع أعمال بناء المستوطنات على الأراضي الفلسطينية، هذا ان كانت حكومة نتنياهو تريد تفعيل عملية السلام على أرض الواقع... ونهنئ الشعب الفلسطيني على نجاح عملية المصالحة الوطنية ورحم الله شهداء أرض فلسطين.
علي محمد الفيروز
كاتب وناشط سياسي
[email protected]< p>