لماذا لم يسمح النبي الكريم في مكة قبل الهجرة بجواز الخروج على أبي سفيانَ وأميةَ بن خلفٍ وعمرو بن هشام المشهور بـ(أبي جهل)؟ لماذا لم يحمل السلاح على قريش آنذاك؟ رغم أنهم حملوا السلاح عليه وعلى أهله وأصحابه! لماذا مرَّ بآل ياسر قائلاً "صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة"؟ أكان ضعفاً منه وهو مُنَزَّهٌ بين البشر عن ذلك؟ لماذا صبر حتى قَوِيَتْ شوكتُه وفضَّل الهجرة حتى تأذن له السماءُ بالدفاع عن نفسه وعن المؤمنين معه؟ كل ذلك كيْ لا يحمل السلاح على أهله وبني جلدته ولو حملوه عليه، فكيف إن لم يحملوه عليه؟ كلُّ ذلك من أجل حرية مطلقة منحتْها السماءُ لأهل الأرض في اختيارهم لدينهم، لَمْ يحمل السلاح عليهم لأنه يُعَلِّمُ المسلمين جميعاً مفهوم المواطنة وقدسيَّة أمن الوطن، لأن نصاعة الأداء النبوي النقيّ من التعنُّت والمترفِّع على حظوظ النفس يعطي للمسلمين اليوم الصورة الحقيقية لدينهم، ويدلُّهم على الطريق؛ لا يمكننا ممارسة تعاليم الدين إلاّ من خلال الوطن الآمن القوي والمتماسك، فلم تكن الهجرة من أجل ذلك فقط بل كانت الهجرة إلى المدينة من أجل تجنب الفتنة والحفاظ على الوطن الأم وهو مكة. لا يجوز لنا فرضُ دينٍ بعينه يتنافى مع مَدَنِيَّة الحياة وحرية الاعتقاد والممارسة، فلا فرق بين مَنْ يستخدم قوة نفوذه في الوطن لإلزام الناس برأيه وبين من يفرض الرأي عليهم باستخدامه السلاح! فكلاهما يستند إلى فكر يُلغي فيه الآخر ويُثْبِتُ الانحياز إلى نفسه بأنانية مطلقة؛ لذلك كان التوجيه النبوي يدفع نحو الهجرة وليس إلى حملِ السلاح أو فرض الدين وتعاليمه بالقوة؛ إنه الفكر الراشد الذي ينظر للأمور بحكمة، ولمصلحة الأمة بعين الوعي وتريُّث؛ نحن اليوم وللأسف أمام قيادات سياسية ودينية تلطخت أيديها وألسنتها بدماء الأبرياء، وربما استند هذا التورُّط إلى تفسير مغلوط لمفهوم الوطن والمواطنة؛ كثير من المسلمين اليوم يفهمون أن ارتباط الدين بمفهوم المواطنة ارتباط يقوم على تعميم تعاليم الدين على الوطن بلغة قانونية تُِلزم المواطنين جميعاً بتعاليم دين واحد؛ وهذا الفهم المحصور في دائرة ضيِّقة يتنافى مع عالميَّةِ هذا الدين، وينالُ من حرية الاعتقاد المبنية عند المسلمين على قوله تعالى "لا إكراه في الدين"، ويتنافى إلزامُ الناسِ بدين ما مع قوله تعالى "لكم دينكم وليَ دين"، علينا أن نعرف أنَّ الوطن للجميع وليس لأصحاب دين بعينه، ولا لأصحاب حزب بعينه، ولا لجماعة معينة، وليس للأكثرية تقييد الأقلية باسم الدين، وتصرُّف النبي الكريم في المدينة واعتماده منظومةَ علاقاتٍ إنسانية تمنح الكرامة والحرية للمسلمين ولليهود في مجتمع المدينة المنورة آنذاك يدل على أن فهمنا اليوم لأسلوب تطبيق تعاليم الدين في مجتمعاتنا قائم على أُحادية التفكير وتهميش الآخر، فمع أنَّ النبي الكريم حمل الخيرَ للناس وهو واثق بصواب عقيدته وسلامة تعاليم دينه لَمْ يفْرِضْهُ على أحد، فإن كانت هذه هي سيرةُ نبيِّ الإسلام فأين يقف المسلمون اليوم؟
علي سويدان
كاتب وأكاديمي سوري
[email protected]