علي محمد الفيروز / إطلالة / قراءة في مقتل الزعيم بن لادن

1 يناير 1970 10:38 م
اثار مقتل زعيم تنظيم القاعدة اسامة بن لادن في باكستان الكثير من التساؤلات: ترى لماذا اغتيل بن لادن على أيدي القوات الاميركية الخاصة ولم يقبض عليه ليتم نقله ببساطة الى معتقل «غوانتانامو» كبقية عناصر «القاعدة»، ولماذا لم يتم نشر تفاصيل طريقة مقتله الشنيعة، ولماذا تم قتل زوجته وابنه وجميع من معه، فهناك من يقول ان صورة اسامة بن لادن وهو مقتول لم تكن واضحة المعالم وقد تكون «مركبة» وهذا ما اشارت به مصادر اعلامية عدة، وهل اسامة بن لادن دافع عن نفسه قبل الهجوم عليه، ثم هل كان حينها مسلحا او شرسا؟ كما ان طريقة دفن جثة بن لادن في بحر عمان قد تركت اكثر من علامة استفهام، واثارت جدلا واسعا بين صفوف المسلمين في بقاع العالم حتى وان كان تاريخه حافلا بعشرات الهجمات الارهابية وادت الى سقوط آلاف الضحايا الابرياء الا ان المطاردة الطويلة التي دامت اعواما طويلة ادت الى ظهور تكهنات عدة ومواقف طريفة ونكات لطيفة والسؤال هنا: هل اصبحنا فعلا على مشارف انهاء الحرب على الارهاب بعد مقتل رأس «القاعدة» وخصوصا بعد جملة Justice hasbeen done ومعناها: تم احقاق العدل، تلك هي الجملة التي وجهها الرئيس اوباما للعالم في خطابه التاريخي الصادر من البيت الأبيض الاميركي ولكننا في الوقت نفسه لا نعلم ان كان من الممكن ان يشن اعضاء تنظيم «القاعدة» هجمات ارهابية اخرى انتقاما من مقتل زعيمهم بن لادن او من الطريقة التي تعاملت بها القوات الاميركية مع الجثة، حيث غسلت ووضعت في كفن ابيض ثم في كيس مثقل ووضعها على قاعدة القيت منها في المحيط!

ويقال ان طريقة التعامل مع الجثة قد تم وفقا لأحكام الشريعة الاسلامية الصحيحة، ولكننا فوجئنا بردة فعل عكسية من علماء مسلمين مرموقين من بينهم شيخ الازهر احمد الطيب الذي ابدى عن معارضته الشديدة لإلقاء جثة اسامة بن لادن في البحر، مؤكدين ان الشريعة الإسلامية ترفض ذلك، لأنها خارجة من احترام حرمة الميت!

ان الزعيم بن لادن يعتبر العدو اللدود للولايات المتحدة ولبقية الدول الاوروبية ولكنه يبقى بطلا ورمزا دينيا بالنسبة للكثيرين في العالم العربي والاسلامي، وفي خضم هذا التباين حددت واشنطن مكافأة مالية رمزية وقدرها 25 مليون دولار منذ زمن بعيد لمن يقبض عليه او يكشف عن مكانه الصحيح الا ان هذه الخطوة لم تنجح بتاتا إلا بعد العثور عليه عن طريقة الـ CIA الاميركية وكانت المفاجأة تواجده في منزله المحصن في باكستان.

لقد اقام زعيم «القاعدة» في بداياته علاقات متينة مع وكالة الاستخبارات المركزية (سي اي ايه) في افغانستان والاميركيين الذين قدموا له وللمجاهدين كل وسائل المساعدة في العام 79، ومع عوامل المتغيرات في الحروب لاحظنا ان هذه المعاملة الحسنة له قد تغيرت كليا بعد انتهاء الحرب وانهيار الاتحاد السوفياتي، كان ذلك في بداية التسعينات عندما بدأ بن لادن يمول الاصوليين المتطرفين ويسعى الى تنظيم عملية الجهاد الاسلامي في اليمن ومصر ومن ثم في افغانستان حيث اسس منظمته التي سميت بتنظيم «القاعدة» اذ مد له شبكة ارهابية كاملة في جميع دول العالم وصرف ملايين الدولارات على المجاهدين ونظام «طالبان» رغم مظهره البسيط غير انه لم يصرف ثروته العالية على الاعمال الخيرية في العالم، ونلاحظ انه للخروج من مأزق الجدل الدائر حول مصير جثة بن لادن، فقد شدد الرئيس الاميركي باراك اوباما على ان الولايات المتحدة ليست ولن تكون ابدا في حرب ضد الاسلام، وان بن لادن لم يكن زعيما اسلاميا بل كان قاتلا جماعيا للمسلمين، واضاف ان «القاعدة» قتلت الكثير من المسلمين في دول عدة بما فيها الولايات المتحدة، والسؤال المطروح هنا: ان كان بن لادن قد قتل الكثير من المسلمين بما فيها الولايات المتحدة، فلم سادت اجواء الفرح في ساحات البيت الابيض وفي موقع برجي مركز التجارة العالمي عند اعلان مقتله، هل هذا يجعلنا فرحين بينما بقية اعضاء «القاعدة» لا يزالون موجودين في بقاع العالم؟ تبقى طريقة قتل الزعيم بن لادن محيرة وسط غموض الحقيقة، فالحقيقة لم تصل كاملة الى اسماع العالم خصوصا بعد ان اكدت ابنة بن لادن التي يقارب عمرها 12 عاما للمحققين الباكستانيين ان القوة الاميركية قد القت القبض على والدها اسامة حيا ولكن اطلقت النار عليه على مرأى من افراد اسرته! وتم سحب جثته من الطابق الارضي حيث كان متواجدا الى المروحية! كما تقدمت زوجة بن لادن نحو احد المهاجمين من القوات الخاصة ولكنها اصيبت في ساقها ولم تمت، ومن هنا نلاحظ ان عملية المداهمة التي تمت على بن لادن لم يكن مسلحا، وكذلك الحال لمساعديه بينما انتهى الامر بقتله! مصادر تفيد ان الهجوم عليه استغرق 45 دقيقة تقريبا ولكنه دمر كل شيء حول بن لادن، وهذه دلالة على ان الحدث كان غير متوقع ومفاجئ على الجميع، في النهاية يبقى اختفاء بن لادن المطلوب رقم 1 في العالم هي ظاهرة غريبة ومحيرة ولكنها تدل على فشل عظيم لعمل اجهزة مخابرات العالم في العثور عليه مبكرا رغم انه كان مختبئا قرب اسلام اباد وقرب مركز عسكري كبير اي قريبا من السلطات الباكستانية، غير ان الحكومة الباكستانية متضايقة من عدم اعلامها بقضية الهجوم الاميركي على بن لادن إلا بعد فوات الاوان، الامر الذي جعلها تحذر من تكرار مثل تلك المهمات مستقبلا.

ان قرار قتل زعيم «القاعدة» وعدم نشر الولايات المتحدة صور مقتله كاملا حفاظا على الامن القومي قد جعلت الرئيس باراك اوباما يبدو بطلا مراوغا وكأنه شقي وهذا بالتأكيد يرفع اسهمه الانتخابية في المرة المقبلة، ولكن تقديم بن لادن للمحكمة او سجنه بعيدا في احد المعتقلات كان افضل من مواجهة واقع تهديدات الانتقام، نعم... تمر الايام وتبقى لحظة القتل الشنيعة للزعيم بن لادن هي لحظة قد تزيد مشاعر الحقد والانتقام ضد شعب الولايات المتحدة بدلا من حمايته من الارهاب.

ولكل حادث حديث...





علي محمد الفيروز

كاتب وناشط سياسي

[email protected]