عائشة عبدالمجيد العوضي / في العمق / ذابت... كما يذوب السكر بالشاي!

1 يناير 1970 03:35 م
هي من المفترض أن تكون أساساً صلباً نخطو عليه بثبات، في الأصل هي دليل استرشادي في طريق الحياة، ولو سألت أياً منكم عنها لن يخرج جوابه عن إطار كونها (هي حماية) لنا وأمان وحصن ومؤشر يبيّن لنا ما إذا كنا في طريقنا الصحيح أم أننا وحدنا!

هي تلك المبادئ والقيم، المستقاة من ديننا الإسلامي الإنساني، والتي تتشكل معها ثقافة المجتمع فيبدو ذا معالم وا ضحة مرسومة على أبنائه، فمن يراهم يميّز ملامح تلك الثقافة عليهم من خلال ملبسهم، لغتهم، سمتهم، سلوكهم وما إلى هنالك من مؤشرات تعتبر دليلاً واضحاً لكون هذا الفرد من ذاك المجتمع، لكن! أين هي الآن؟ ما بالنا نستأنس بانسلاخنا عنها، نبتعد عنها من باب التحرر الذي يزعمونه والمغلف بالضياع والتيه كما هو جليٌ وأبلج!

وبدقة أكثر، فما أتحدث عنه باختصار هو تلك الهوية العربية الإسلامية، إنها هويتك، كيانك، إنها أنت، إنها الهوية التي كنا نطمح لها بعالمية تخترق الحدود إلا أنها ذابت بعولمة بلا مقاومة وبلا صدود ذابت بكل سهولة، امتزجت بتلك العولمة التي ترنو إلى طمس الثقافة المميِّزة لإحلال الثقافة الواحدة الهلامية الملامح محلّها، وبالفعل نجحت... نعم نجحت وأي نجاح، فنحن بتنا لا نميز هويتنا بل لا نكاد نذكرها!

كما تعلم قارئي العزيز أن الشباب هم ميزان الأمم، فللحكم على مجتمع من المجتمعات لا يُنظر لكهوله من الأجيال السالفة الماضية، بل يُنظر لشبابه وقوّته، يُنظر لمدى تمسكه بهويته وثقافته، يُنظر لاهتماماته وطموحاته، يُنظر لعمق تفكيره ومناعته، يُنظر لمدى مقاومته لتلك الأيدي الخفية التي تعبث بالعقول بسهولة وبكل احتراف!

نعم بكل احتراف... وكيف لها ألا تستسهل وتحترف وقد وجدت أن ما أمامها من مبادئ وقيم هي مبادئ وقيم طينية الأساس، هشة البنيان مطواعة وقابلة للتشكيل بل للطمس والإلغاء والإحلال وإعادة التشكيل، فلم يعد للدين هويته ولا للعروبة هويتها، ونحن نبتسم بكل فخر لأن أقصى ما نفقهه من ذلك كله هو أننا متحضرون مواكبون للعصر والتقدم، غُيِّبت عقولنا عن أن ترى الحقيقة الحقة واكتفت بالحقيقة المزيفة. أي تحضر بالله عليكم أخبروني!

بمقياس العقل المتعقل العاقل، التقدم والتحضر يتمثل بمواكبة ركب الإنسانية العلمي والصناعي والإنتاجي وخلافه، باختلاف المجالات وتنوع التخصصات، يكون التقدم بتلك اللمسة الجديدة على المعارف، بتلك الإضافة الأصيلة على العلوم، بتلك الفائدة المرجوة من الجهد المبذول، يكون التقدم بالرقي الأخلاقي القيمي الراسخ، فما سمعت يوماً عن أن التقدم واللحاق بركب المتقدمين كان نتيجة لتقليد لباسهم أو استعارة بعض ألفاظهم أو التأسي بسلوكياتهم أو التقليد الأعمى لهم! ولنضع نصب أعيننا تلك الحقيقة أنه ما زادنا تأخراً على تأخرنا إلا تبعيتنا العمياء لهم!

أتعجّب كثيراً، لماذا يقتصر تقليدنا لهم على سلبياتهم أين نحن من إيجابياتهم الكثيرة، صحيح أنهم ماهرون في تغييب العقول وإبراز ثقافتهم المجتمعية وبهرجتها على أنها سبب تقدمهم ورقيّهم، لكن مهلاً لنعمّق الفكر ولندقق النظر! وإن كان ولابد من التقليد فقلّد تقليداً إيجابياً سليماً مفيداً يعود عليك وعلى وطنك بالنفع، واسأل نفسك قبل أن تقلّد، ما سبب تقليدك؟ إن كان محملاً بكم من السلبيات فابتعد عنه، تشبث بمبادئك ستسمو، ستشعر بقيمتك وبكيانك، ابتعد وأنت ترقب شيئاً داخلك يبتسم ويُشعرك بقوتك وبأحقيتك في أن تكون مقام المتبوع وليس التابع، وارحموا هويةً ذابت كالسكر بشاي العولمة الغربي الصنع!





عائشة عبدالمجيد العوضي

[email protected]

Twitter: 3ysha_85