خيرالله خيرالله / «فتح» وأزمتها العميقة...

1 يناير 1970 02:42 م

ليس هناك ما يدل على مدى عمق الأزمة التي تعاني منها «فتح» أكثر من أن الحركة لم تستطع عقد مؤتمرها العام منذ العام 1989. لم تعقد الحركة مؤتمراً منذ ما يزيد على ثمانية عشر عاماً رغم تغير كل المعطيات المتعلقة بالقضية الفلسطينية، بما في ذلك توقيع «اتفاق أوسلو» وغياب ياسر عرفات. في السنة 2008 وفي ظل التجاذبات التي ترافق المساعي الهادفة إلى عقد مؤتمر جديد للحركة، لا بد من التساؤل: هل تستطيع «فتح» الخروج من أزمتها العميقة... أم أن «فتح» انتهت مع غياب ياسر عرفات، رحمه الله، الذي صنع نظاماً فلسطينياً على قياسه شكّلت الحركة عموده الفقري؟ صنع ياسر عرفات نظاماً لا يستطيع أحد غيره السيطرة عليه. بعد غيابه، لم يعد يوجد من هو قادر على التحكم بالحركة. ولذلك، تتخبط «فتح» منذ وفاة الزعيم التاريخي للشعب الفلسطيني في مشاكل أقل ما يمكن أن توصف به أنها من النوع المعقّد الذي يطال بنيتها وعلة وجودها. صار هناك ألف «فتح» و«فتح»...

في الامكان الحديث عن فتحاويين معتدلين على استعداد لعقد صفقات سياسية تأخذ في الاعتبار موازين القوى على الأرض وما يمكن تحقيقه في هذه المرحلة. كذلك، في الإمكان الحديث عن متطرفين يزايدون على «حماس» وحتى «الجهاد الإسلامي» عندما يرفعون شعارات سياسية ليست قابلة للتحقيق فحسب، بل تأخذ الفلسطينيين أيضاً إلى كارثة أكبر من تلك التي يعيشون في ظلها الآن...

في الأشهر القليلة الماضية، تمثل التطور الإيجابي الوحيد في أن «فتح»، أو على الأصح أن قياديين في الحركة، استطاعوا بناء نواة لأجهزة أمنية فعالة في الضفة الغربية حالت دون تكرار تجربة «حماس» في غزة. هذا واقع لا يمكن تجاهله، علماً أن الاحتلال الإسرائيلي شكل ولا يزال يشكل عاملاً يحول دون تكرار تجربة غزة في الضفة. من سخريات القدر، ليس إلا، أن يساهم الاحتلال في منع تعرض الشعب الفلسطيني لمصيبة جديدة.

بكلام أوضح، أن تجربة المحافظة عل الأمن في الضفة الغربية لا علاقة لها بـ «فتح» بمقدار ما أنها مرتبطة بأشخاص معينين بينهم اللواء توفيق الطيراوي عملوا على ضبط الوضع والحد قدر الإمكان من فوضى السلاح آخذين في الاعتبار الظروف الموضوعية السائدة داخل الضفة وحولها. هذا لا يعني في أي شكل أن «فتح» نجحت في تحقيق إنجاز كبير يؤمن لها استعادة وحدتها. ما يؤمن استعادة هذه الوحدة في هذا الوقت بالذات في ظل الحديث عن مؤتمر جديد للحركة هو امتلاك ما يكفي من الشجاعة للتساؤل هل في الإمكان استعادة الحركة لوحدتها؟ ثم ماذا بعد ذلك؟ على أي أساس ستقوم هذه الوحدة ومن أجل ماذا؟

لا يمكن تجاهل أن أهمية ياسر عرفات تكمن في أنه نقل القضية الفلسطينية إلى واجهة الأحداث العالمية ووضع الشعب الفلسطيني على الخريطة السياسية للشرق الأوسط.  لعل أسوأ ما في الراحل الكبير أنه افتقد القدرة على الحسم، عندما كان يفترض به أن يقدم على ذلك. ولذلك انجرّ الفلسطينيون إلى معارك كانوا في غنى عنها أكان ذلك في الأردن أو لبنان. حتى داخل «فتح» نفسها، تفادى «أبو عمار» الحسم مع أي طرف كان وقبل أن تكون الحركة أربعة أو خمسة أجنحة على تنافر في ما بينها لا يجمع بينها سوى شخصه. أكثر من ذلك، لم يتحمل الزعيم الفلسطيني الراحل في أحيان كثيرة مسؤولية القرارات التي يتخذها. وعلى سبيل المثال، لم ينبس ببنت شفة عندما اغتالت «الجبهة الشعبية» في النصف الأول من الثمانينات ظافر المصري الذي وافق على أن يكون رئيساً لبلدية نابلس مكان الحاكم العسكري الإسرائيلي. لم يقبل ظافر المصري، الذي كان يمتلك من الوطنية أضعاف ما لدى أكبر رأس في «الجبهة الشعبية»، تسلم المنصب ألا بعد حصوله على موافقة ياسر عرفات. المؤسف أن «أبو عمّار» لم يتخذ موقفاً من الجريمة التي ارتكبتها «الجبهة الشعبية» لأسباب تعود إلى خشيته من الحسم. لم يصدر حتى بياناً يدين الجريمة التي يتحمّل مسؤوليتها، أقلّه معنوياً.

من مرحلة التردد في عهد ياسر عرفات، وهي مرحلة شملت مسايرة «حماس» من دون مبرر، والسكوت عن الاحتلال العراقي للكويت في العام 1990 الذي كشف دعماً مشبوهاً لنظام صدّام حسين الذي اعتدى على بلد عربي آمن، انتقلت «فتح» إلى الشرذمة. هل يمكن لملمة «فتح» الآن؟ الجواب بالطبع أن الحاجة أوّلاً إلى «فتح» قادرة على الاستمرار من دون ياسر عرفات. وهذا يعني بكل بساطة الاعتراف بأن ثمة حاجة حقيقية إلى قيادة من نوع مختلف وبرنامج سياسي متطور وواقعي يتلاءم والمرحلة التي تمر فيها القضية الفلسطينية. صحيح أن محمود عبّاس رجل واضح يعرف جيداً ما يريده، لكن الصحيح أيضاً أن هناك حاجة إلى «فتح» جديدة تعرف أيضاً ماذا تريد ولا تسقط في امتحان الانتخابات التشريعية مجدداً، في حال إجراء مثل هذه الانتخابات، ولا تتهرب من تحمل مسؤولياتها في غزة بدلاً من إلقاء المسؤولية على شخص محدد أو مؤسسة أو جهاز معين... تهرباً من المسؤولية! مطلوب من «فتح» ألا تخجل من القول علناً إن مرحلة الكفاح المسلح ولّت، وأنه ليس في الإمكان التفاوض من جهة وترك ما يسمى «كتائب الأقصى»، المفترض أن تكون تابعة لها، تنفّذ عمليات ذات طابع عسكري من جهة أخرى. في حال كان مطلوباً العودة إلى الكفاح المسلح، لا بد من التخلي عن الخيار السلمي وتحمل مسؤولية الخيار وتبعاته. هل تسمح التوازنات الإقليمية والدولية بذلك؟

أخيراً وليس آخراً، هناك واقع فلسطيني مختلف فرضته «حماس» عندما نفّذت انقلابها في غزة وخلقت بذلك كيانين فلسطينيين... مثل هذه الحال مرشحة لأن تستمر طويلاً. الأكيد أن إعادة ترميم الحركة على أسس سليمة سيساعد في مواجهة أحد أبرز التحديات التي تواجه القضية الفلسطينية في تاريخها، وسيساعدها خصوصاً في مواجهة النتائج المترتبة على تجربة «حماس» في غزة، والتي مكنت الإسرائيليين من القول إن الفلسطينيين لا يستأهلون دولة مستقلة!


خيرالله خيرالله


كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن