علي محمد الفيروز / إطلالة / تقرير «غولدستون» بين الواقع والتزييف

1 يناير 1970 08:59 م
يحاول رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو إلغاء تقرير «غولدستون» حول الهجوم الاسرائيلي على قطاع غزة نهاية العام 2008 من الوجود ويطالب الامم المتحدة في شتى الطرق الى الالغاء الفوري للتقرير الواقعي الذي يبين مدى فظاعة الهجوم، بعد الاسف الذي عبّر عنه معد التقرير القاضي الجنوب إفريقي ريتشارد غولدستون، قال نتنياهو في تصريح مقتضب على التلفزيون «يجب رمي تقرير غولدستون في مزبلة التاريخ»! نافيا ان تكون اسرائيل قد هاجمت يوما بطريقة متعمدة مدنيين، وان اجهزة المراقبة لديه هي في مستوى ارفع المعايير الدولية، في وقت لم تقم «حماس» بالتثبت من اي شيء سوى الاستمرار في اطلاق صواريخ لقتل المدنيين، متهما الرئيس الليبي المخلوع معمر القذافي على انه كان وراء تقرير «غولدستون» ويدعمه بقوة...

وعلى ضوء هذه التصريحات العنترية من نتنياهو تراجع القاضي غولدستون عن تقريره الأممي حيث كتب في صحيفة «واشنطن بوست» الاميركية ان تقريره للأمم المتحدة حول الاتهامات بارتكاب جرائم حرب خلال عملية «الرصاص المسكوب» الاسرائيلية في غزة بين 27 ديسمبر 2008 و18 يناير 2009 كان ليصدر بطريقة مختلفة اليوم لأن لديه معلومات اليوم حول ما حصل خلال حرب غزة أوفى بكثير مما كان يملك خلال ترؤسه لجنة التحقيق، وأضاف في مقاله ان اسرائيل لا تنكر واقع تقريرنا منذ نشره عن الخسارة المأسوية لأرواح المدنيين ولكنه يشعر بالاسف حول لجنة التحقيق التي لم تستطع الاطلاع على الظروف التي كانت تحيط بالمدنيين الذين استهدفوا خلالها في قطاع غزة... وهذا كان ليغيّر على الارجح تلك الخلاصات التي توصلنا اليها حول الطابع المتعمد لارتكاب جرائم انسانية ووجود جرائم حرب! كان تقرير «غولدستون» يتحدث عن امكانية ان تكون اسرائيل وحركة «حماس» ارتكبتا جرائم حرب ولكن للهروب من واقع الحال كتب غولدستون في مقاله ان «حماس» لم تجر اي تحقيق حول شنها هجمات وإطلاق صواريخ وقذائف هاون على ا سرائيل وهو العذر نفسه الذي استعانت به اسرائيل لتبرير عملياتها العسكرية في القطاع، غير ان الهجوم الاسرائيلي على غزة لوقف اطلاق الصواريخ «الحماسية» على اراضيها قد أدى الى سقوط ما يقارب 1400 شهيد فلسطيني وكان غالبيتهم من المواطنين المدنيين، أما من الجانب الاسرائيلي فكان 13 قتيلا مدنيا فقط! وبتغيير للحقائق قال غولدستون في مقاله ان الجرائم التي ارتكبتها حركة «حماس» كانت متعمدة، لأن للصواريخ أهدافا مدنية بشكل لا لبس فيه، وان الادعاءات بالطابع المتعمد من جانب اسرائيل استندت الى سقوط قتلى وجرحى ومدنيين في ظروف لم تستطع لجنة التحقيق الدولية تحديدها، كما أبدى قلقه لأن قلة فقط من التحقيقات الاسرائيلية توصلت الى خلاصات وتم عرض نتائجها على الملأ... وبذلك طالب وزير الدفاع الاسرائيلي ايهود باراك القاضي غولدستون بألا يكتفي بنشر مقاله، بل بنشر خلاصاته الحالية امام المجتمع الدولي حيث بهذه الطريقة فقط سيمكنه تصحيح الضرر الذي ألحقه للاسرائيليين! ونلاحظ من هنا ان القاضي غولدستون قد تراجع كثيرا عن السابق فمنذ صدور تقريره الأممي نهاية العام 2009 وإسرائيل توجه اليه أصابع الاتهام على انه متعاون مع الشعب الفلسطيني في حقوقه، على انه يخدم اهداف «حماس» العدائية ضد الاحتلال حيث سبق وان رفضت السلطات الاسرائيلية التعاون مع تحقيق الأمم المتحدة منذ البداية، لأهداف بالتأكيد معروفة، فضلا عن ممارسة الحكومة الاسرائيلية ضغوطات وتهديدات غير طبيعية ضد القاضي ريتشارد غولدستون وصلت الى تهديده بالقتل والضغط على ابنته داخل الخط الاخضر وتهديدها لتمارس ضغطا على والدها كونه رئيس لجنة تقصي حقائق العدوان على غزة للانسحاب من البعثة الأممية، بل تعدت ذلك الى مقاطعته وفرض عزلة تامة عليه، كما تم منعه من حضور تعميد ابنائه في الكنس اليهودية وحرمانه من اللقاءات السياسية والدينية والاجتماعية، إذ ان اختفاءه التام من القنوات الاعلامية بأنواعها ليس غريبا علينا!

إزاء ما نشر وما قيل وما حدث من ردود افعال غير طبيعية من السلطات الاسرائيلية والقاضي ريتشارد غولدستون حول مصير التقرير الأممي، يجب القول ان تقرير غولدستون الأممي صادر من بعثة أممية كاملة وليس صادرا عن القاضي غولدستون وحده، وان اللغط الدائر حول ما جاء على لسانه لا يتعدى كونه يدور حول مقال صحافي بحت، فلا يمثل اي قيمة سياسية او قانونية في اي محفل قانوني دولي، وبالتالي نرى ان رأيه الشخصي لا يؤثر مطلقا بأي حال من الاحوال على مضمون تقريره الاخير، كما ان التقرير قد اصبح ملكا للمجتمع الدولي والأمم المتحدة ولذوي الضحايا، وليس ملكا له ولأهوائه، وهو ما يدل بشكل واضح ان مقاله الصحافي ناتج من ضغوطات صهيونية شديدة ممنهجة تتزامن مع حملة اعلامية من اجل الضغط، وسحب تقرير «غولدستون» من التداول في الجمعية العامة للأمم المتحدة كونه بات في مراحله المتقدمة والتي يشعر القادة الاسرائيليون خلالها باقتراب محاسبتهم امام المحاكم والمحافل الدولية، كما نود الاشارة الى ان تقرير لجنة «غولدستون» الدولية يجرم بشدة ويدين الاحتلال ويؤكد على ثبوت ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الانسانية بحق ابناء الشعب الفلسطيني رغما عن أنوفهم. ولكل حادث حديث.





علي محمد الفيروز

كاتب وناشط سياسي

[email protected]