| نبيل جمعان |
كانت صباحية تميل إلى البرودة، فيما السماء مزرقة بصفاء، لا تشوبها شائبة، بعد ليلة ممطرة، تركت بقايا رذاذها على الأرصفة والأزقة، و أسطح البيوت والسيارات المارة.
ومن خلف زجاج نافذة مبتلة تطل على الطريق، كانت عينا سهام المحمرتان ترقبان الشارع، وقد أمسكت منديلا تداري به سعال حاد متقطع، عندما فتح باب المكتب، و تناهى إلى سمعها صوت مألوف يلقي التحية: السلام عليكم
ترد سهام التحية غير عابئة بالنظر إلى صاحب الصوت: عليكم السلام، غير أنها سرعان ما تتدارك وتلتفت إليه: تأخرت خليفة: خير إن شاء الله؟
يجبيها وهو متجه إلى مكتبه: زحمة المرور..
ثم يلتفت اليها على نحو مفاجئ: سهام... ما بال صوتك؟
تواصل السعال: صوتي مبحوح... أصابتني لفحة برد أثرت على حبالي الصوتية.
ينظر إليها خليفة، وقد لمعت عيناه فجأة: سهام... هل تسمعيني مقطعا غنائيا؟
تنظر إليه بحنق، وقد التقطت دباسة ورق من فوق مكتبها، ولوحت بها عاليا بوضعية الهجوم: خليفة... أترى هذه؟ بلمحة ستجد رأسك قد تحول الى خريطة شوارع... من دون أستدارات ولا مخارج.
يقاطعها خليفة جازما: لم أقصد الاستهزاء بك... أنما قصدت أمرا آخر اكتشفته الآن.
تواصل النظر إليه بحدة وهي تسعل: أختصر... ماذا تريد؟ فالدباسة لا تزال في جيبي... أقصد بيدي.
باختصار... يقول خليفة: صوتك المبحوح يذكرني بالمطربة العراقية زهور حسين، جمال البحة نفسها... يا سبحان الله.
تواصل سهام بصبر نافد: اللهم يطولك يا روح... طيب... وبعدين؟
يجلس خليفة خلف جهاز كمبيوتر مكتبه ويسترسل: اسمعي... صوتك يؤهلك للانضمام لمسابقة مقلدي مطربي زمان التي طرحها موقع «يا ليل أمان» الالكتروني.
تستمتع إليه سهام باهتمام: حقا؟ ويواصل خليفة حديثه بشغف: ولو فزت فسنكسب الجائزة الاولي... وقيمتها 10 الاف دولار نتقاسمها... ما رأيك؟
ينتاب سهام شعور بالاهتمام وتتساءل: مممم... ولكن ما شروط المسابقة؟ فيجيبها وهو يقرأ من الموقع: كل ما يطلبونه منك أن ترسلي تسجيل فيديو لأحدى الأغاني القديمة المشهورة... فتدخل الأغنية المسابقة ويتم التصويت عليها في الموقع من مرتاديه في العالم كله.
يغمر سهام شعور بالسرور... و تقف على أطراف أصابعها كأنها نجمة تواجه الجماهير: اذاً أتعتقد أن الجماهير ستصفق لي... اذا غنيت أغاني المطربة العراقية زهور حسين؟
يفرك خليفة يديه مبتهجا: طبعا... فصوتك المبحوح قريب جدا من صوتها، عليك المبادرة منذ الآن بالتدريب على إحدى أغانيها... ولكن هناك أمر!
تلتفت إليه متسائلة: ماذا؟ يجيب وهو يغلق شاشة الكمبيوتر: لدينا يومان فقط... بعد غد آخر موعد لتسلم التسجيل على الموقع.. أنت تدربي... وأنا سأحضر الكامير للتسجيل.
وفي هذه الأثناء يدخل العامل البنغالي إسلام الحق حاملا عصير الليمون التي طلبته سهام لتخفيف نزلة البرد لديها، فيما تنظر هي بسرور إلى وجهها المنعكس على زجاج النافذة مخاطبة ذاتها: أخيرا سأظهر للجماهير العريضة... و سأكسب 10 الاف دولار.
في صباح اليوم التالي: كان تسجيل لأغنية زهور حسين «خالة شكو شنهو الخبر أحكيلي»، يتردد صداه في أرجاء المكتب... في ما كانت سهام تطقطق بأصابعها... وتنقر على رأس الدباسة... آلو آلو... ثم تقربها من فمها... وكأنها قبالة ميكرفون حقيقي... و تنطلق بغناء «خالة شكو»... بصوت مبحوح... يذكر سامعه بصوت جر الطبشورة المبلولة على سبورة زلقة.
وبعد عدة بروفات... يشير خليفة لسهام المنهكة بالتوقف: يا سلام على الإبداع، أنت الآن النسخة الثانية لزهور حسين... غدا نصور الفيديو ونرفعه إلى الموقع، فاهتمي بصوتك... تجيبه بثقة: لا تخش شيئا... فيما ترتشف كأسا من الليمون كان قد وضعه لها إسلام الحق منذ قليل.
وفي صباح اليوم الموعود، حيث الاستعداد لتسجيل الفيديو، تدخل سهام إلى المكتب بمكياج سهرة كامل... وملابس وردية أشبه بفستان الدمية باربي... بفارق بسيط بين الاثنين، هو قوام متخم بما يقارب 145 كيلو جراما، لحما وشحما.
يتبعها بقليل خليفة، متأخرا كالعادة... وقد حمل أجهزة التسجيل وكاميرا الفيديو، ولشدة انشغاله في توصيل الكابلات إلى الكمبيوتر لم ينتبه لوجود باربي... عفوا سهام التي تقف ممسكة بمنديل طويل، يعيد ذكرى أيام أم كلثوم على المسرح، ولكن يا للعجب... بأغنية تراثية عراقية!
تلفت سهام نظرة بدلع متصنع: أحم أحم نحن هنا... يرد عليها وهو منشغل: سهام لحظة حتى أنتهي من توصيل الكابل بالكمبيوتر... حافظي على صوتك حتى نبدأ.
فتصمت سهام عن الكلام مواصلة أرتشاف عصير الليمون... و بعد دقائق يفرغ خليفة من عملية التوصيل وتقع عيناه على سهام لأول مرة، فيصعق من منظرها المهول، ولكنه يكتم ضحكته و يكتفي بالطلب منها الوقوف أمام الكامير والميكرفون للبدء بالغناء.
وتبدأ سهام وصلتها الغنائية بعد نحنحة... و أحم أحم... و تصدح بالطرب الاصيل المبحوح: خالة شكو شنهو الخبر أحكيلي، وبينما كانت سهام تحلق منتشية بالأغنية... بدت ملامح الأستياء على خليفة... فتارة يفرك أذنيه، وتارة يبحلق مستغربا مما يسمعه.
وفجأة يصرخ: سهام... ماذا جري لصوتك؟ تتوقف سهام حانقة: ما بك قطعت حالة أنسجامي؟
فيصيح بها: سهام أين بحتك؟
تنتبه لنفسها: لا أدري... هل صوتي بدون بحة؟ فيجيب بغضب: طبعا... أكثرت من شرب الليمون، فذهبت البحة وعاد صوتك الطبيعي، مع اني حذرتك للمحافظة عليها.
تقف سهام يائسة: طيب... ما العمل الآن، يجيبها خليفة وهو يغلق الكاميرا: انتظري الى العامالمقبل.
سهام مستغربة: العام المقبل... لماذا؟
يرد: حتي تصيبك نزلة برد قاضية... وتعود لك البحة.
[email protected]